.

السبت, 23 شباط/فبراير 2019 22:50

مهرجان المسرح العربي بالقاهرة ... ملاحظات في مسودة التوثيق

كتبه  كريم بابا

اُسدل الستار على فعاليات الدورة الحادية عشرة لمهرجان المسرح العربي الذي احتضنته العاصمة المصرية القاهرة منتصف الشهر الماضي (10-16 يناير 2019)، وانطلقت عقبه التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي وبالمواقع الإخبارية وباقي وسائل الأعلام بين مُشِيد ومتحفظ، لكن بين كل هؤلاء أرى أنه وجب التمعن في نتائج الدورة وصياغة خلاصات لما شاهدناه، سواء بشكل حي ومباشر بقاعات العروض، أو الذي تم عبر قنوات الويب ووسائط التواصل والإخبار التي نقلت لنا وقائع الدورة، والنأي بالرأي عن الكتابات المتسرعة التي يغلب عليها الطابع الوثوقي، والتي لا تعط العمل الإبداعي حقه، لهذا فإني أفضل الدراسة الهادئة التي تستحضر سياقات كل منتوج فني. مع التأكيد على أننا لا نملك الحق في أن نفرض على منتجٍ فكر وإبداع الشكلَ والأسلوبَ واللغةَ التي يختارها أدوات لمنتوجه، وبالمقابل، لا يستطيع المبدع أن يصادر حق الجمهور والنقاد في إبداء آرائهم إزاء ما يقدمه من أعمال. وعليه، فإني أحصر ملاحظاتي في هذا الحدث، الذي عرف مشاركة ثلاثة أعمال مسرحية مغربية (شابكة، و"صباح ومسا"، و"عبث")، في ثلاث نقط كما يلي:

المسرح العربي ليس واحد

لم ينطلق المسرح بشكل متزامن بكل الأقطار العربية، فكان من الطبيعي أن لا يتطور بالوثيرة ذاتها بكل بلد، لاعتبارات ثقافية وسياسية يعلمها المؤرخون والباحثون في المسرح ... مما جعل الحركة المسرحية تأخذ مسارات مختلفة ومتنوعة، وهو في رأيي حالة غير مزعجة، فالأمر في آخر المطاف إبداع ترسم معالمه الذائقة الإبداعية لممارسيه بشروطهم السوسيولوجية والاجتماعية، وليس اسقاطا لفعل إبداعي مختوم بطابع حصري.

صحيح أن المسرح مرجعيته كونية وممارسته تفرض شروطا جماليا معلومة، ولغة جسدية واحدة، لكن الذهاب في اتجاه إصباغ صورة العرض المسرحي العربي بلون واحد وعلامات بصرية واحدة سيسقطه في هاجس الريادة، المعاكس لإرادة تبادل التجارب وحوار الإبداع، بقدر ما يجعل المسرح ومناسباته فرصة للتراضي وتجنب الفصام. على هذا الأساس، أعتقد أن ما أفرزته نتائج المسابقة الرسمية لمهرجان المسرح العربي في دورته المنصرمة  يجب أن ننظر إليه من زاوية مغايرة، وهي أن المسرح العربي ليس واحدا ولن يكون، مثلما هو المسرح بالمغرب ليس واحدا، لهذا فالتجارب التي استطاعت الاستمرار في الإنتاج بشكل ثابت هي التي اختارت الاشتغال بمرونة فكرية وصرامة إدارية جعتلها لا تخاصم شباك التذاكر وتحفظ هيبة الركح في الآن ذاته.

أميـن ناسـور وعبد الكريم برشيد

من الأسماء المسرحية التي تفرض نفسها في هذا السياق، هناك الفنان المسرحي أمين ناسور، مخرج مسرحية "شابكة"، هذه الأخيرة التي نالت حقها من تقدير النقاد، إلا أن ذلك لم يجعلها على منصة تتويج مهرجان المسرح العربي بالقاهرة.

يعد أمين ناسور من الجيل الجديد للمخرجين المغاربة خريجي المعهد العالي والتنشيط الثقافي الذين يحسبون على جيل، أو بالأحرى تيار، ما أصبح يسمى لدى النقاد بالحساسيات الجديدة، لكن ما يميز هذه التجربة أنها تطوع النص الدرامي الذي تشتغل عليه بغض النظر عن خلفيته الفكرية أو الفلسفية، سواء كانت محلية أو عالمية، لتحقيق الغاية الأساسية وهي تقديم فرجة مسرحية، مما يجعل تصنيف اختيارات أمين ناسور للنصوص أمرا صعبا ويخالف التنميط الذي يحاول الكثير من المبدعين إقحام أنفسهم فيه، والذاكرة المسرحية بالمغرب لازالت قريبة عهد بتتويج هذا المسرحي بالجائزة الكبرى بالمهرجان الوطني للمسرح في دورته الأخيرة سنة 2018 بمدينة تطوان عن إخراجه لمسرحية "الخالفة" لمؤلفها علي مسدور، أما مشاركته بمهرجان الهيئة العربية للمسرح فجاء بعمله الجديد "شابكة" المعد عن نص مؤلفه الفنان القدير عبد الكريم برشيد، وهي شراكة بين مبدعين من جيلين مختلفين، لكن رغم  ذلك فقد نجح المخرج في إعداد نص ركحي لا تخطئه عين 2019.

الباحثين الشباب والتجاوز

لا يمكن المرور على نتائج مهرجان الهيئة لهذه السنة دون الوقوف عند أهم المؤشرات المهمة على وجود تحول هادئ في تصور الباحثين الشباب للكتابة النقدية والبحث المسرحي، والمتمثلة في طبيعة التيمات التي اشتغل عليها الباحثون الذين شاركوا في مسابقة البحث المسرحي وهي تيمة التجاوز، وإن بشكل متباين بينهم. وهي إشارة تنبئ، كما أسلفت، على مرحلة جديدة في قراءة وتحليل المنجز المسرحي، مع الوعي التام بحيثيات البث في تلك المواضيع والمحاور، على اعتبار أن اختيارها مؤطر سلفا بورقة المسابقة من طرف لجنة الأساتذة أعضاء لجنة التحكيم، وهو أمر يؤكد، في الآن نفسه، على تسرب قناعة لدى الباحثين والنقاد "المخضرمين" بأن الأوان قد حان للاستماع لجيل الفورة الوسائطية مثلما حصل مع التجارب الإبداعية على الركح ... استمرارا لا قطيعة.

وفي سياق ذاك الاستمرار، تأتي هذه الملاحظات "الافتراضية" لتوثق لمسيرة مسرح عربي وتطرح السؤال القديم الجديد: هل نملك مسرحا واحدا؟؟

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012