.

الخميس, 09 نيسان/أبريل 2020 16:07

هل مـن حياة جـديـدة للمُــؤَلِّــف؟ أسـئلة وفـرضيـات لـزمـن ما بعـد كـورونا

كتبه كريم بابا

ظل الإنتاج الإنساني على الدوام مرتبطا بحاجات البشرية ومتطلباتها المادية والرمزية، تأثيرا وتأثرا، وهي مسألة تؤكدها أسماء الأعمال الإبداعية التي تعكس سياقات ولادتها (فيلم "خروج القطار" للأخويين لوميير)، (رواية "الحب في زمن الكوليرا" لغابريل ماركيز غارسيا)، وكذا ما تضمنته الكتب والدراسات النقدية التي تؤرخ لتطور الإبداع عامة، من خلال تركيزها على الشروط التاريخية والموضوعية التي أدت إلى تشكل رؤى المبدعين والأدباء، تلك الرؤى التي حرص أصحابها على اعتبارها رؤية للعالم.

وهنا لا نحتاج إلى جهد كبير للربط بين الأحداث المأساوية التي عرفها النصف الأول من القرن (20) ونشأة تيارات ومذاهب تدعو المبدع إلى التحرر والانعتاق من أسر التقليد، مما جعل الأعمال الإبداعية في تلك المرحلة تأخذ أسماء تعبر عن هويتها التاريخية، كالتجريب مثلا. ولعل تأثير ذلك الدمار وصل حد الكشف عن هشاشة الفكر الإنساني أمام قوة الاندحار، فتهاوت مدارس واتجاهات وبزغت أخرى في حقول مختلفة، مثلما حصل في: التشكيل (الرمزية)، والمسرح (العبث)، والسينما (الموجة الجديدة)، وفي الأدب حيث الرواية الجديدة والشعر الحر ...

لقد كان ظهور مجموعة من التيارات الإبداعية والمناهج النقدية بسبب المراجعات الفكرية التي خضع لها الفكر الغربي، وبفعل التراكم الذي حققته الحركة الحقوقية والتشريعية منذ الثورة الفرنسية، الشيء الذي أدى إلى تجاوز كل المدارس والتيارات التقليدية وعلى رأسها المدرسة الواقعية.

إن من بين الأسباب الرئيسية التي ترسخت في نصوص المؤلفين والنقاد بخصوص التحول في الأدب العربي الحديث عامة، والشعر بشكل خاص، وتوارثناها كاتبا عن قارئ، هي نكسة 1967، وما تركته، قبل ذلك، النكبة الفلسطينية من وجع في جسد عليل. فما الذي يحتاجه المثقف العربي لصياغة وعي جديد بهذه المرحلة؟ خاصة وأننا أمام منعطف حاسم للانتقال نحو مرحلة مغايرة، من المفروض أن تعكس واقعنا وتبث مآسينا، في ظل عجز نظام العولمة عن مواجهة "فيروس" سوريالي بالمفهوم الأرضي، وهو عجز كشفه فقدان الأنظمة لقوة القمع والسلطة لفائدة وسائط جديدة، ناهيك عن الصورة العبثية التي جسدتها دعوة المؤسسات الصحية، في عصر الطفرة التكنولوجية، إلى مواجهة هذا "العدو" بالماء والصابون والحجر الصحي!! أليست هذه الدعوة إعلان لعودة التقليدانية إلى واجهة الفعل الثقافي عالميا؟

لكن، إلى متى ستبقى صور وفظائع الحربين العالميتين ملهمة للتغيير بما يكفي مقارنة بما يحدث الآن من موت ممتد عبر المعمور وبوتيرة متسارعة لم يشهد التاريخ الحديث لها مثيل - من حيث الشكل على الأقل- إلا من خلال قصص الغابرين؟ ثم، ألا يعد هذا الوباء أشد فتكا على العالم مما خلفته الحروب والتدخلات العسكرية المباشرة في أجزاء محددة في العالـم؟ أليس عجز الأب (الطبيب) عن احتضان أبنائه بعد نهاية "دوامه" من أكبر المشاهد إيلاما التي خلفها هذا الفيروس لحدود الآن؟ لأنه في الحروب التقليدية، عادة، تتقارب القلوب وتتهاوى الخلافات ويتقوى النسيج الداخلي ويطفو الحب في المجتمع، وتطغى مشاهد القُـبَل بين الجنود ... هذه الصورة التي استعملت لبث روح القتال في نفوس الجنود، وحولتها شاشات "البروباغانـدا" إلى عناوين لقيم السلام الغربية في مواجهة التوحش القادم من جغرافيا الغـير.

إن ما نعيشه راهنا من أحداث متصلة، سواء في صورتها التراجيدية في وطننا العربي أم في أجزاء متفرقة من العالم، آخرها التفشي الحالي للوباء المسمى "كرونا فيد 19"، كفيلة بأن تغير القناعات الفكرية والاختيارات الجمالية لصانعي الإبداع على مستوى العالم، وأن تدشن لتصورات جديدة، خاصة وأن هناك وجهة نظر، وإن بدت على هامش أولويات المجتمع حاليا، تربط بين ظهور هذا الوباء وتسابق القوى العظمى نحو الريادة العالمية والهيمنة الاقتصادية بأية وسيلة، مما يرفع من مسوغات ما يسمى بـ"نظرية" المؤامرة، ويزكيها الإنهاك الذي أصاب ظاهرة الحرب بالوكالة، والتي لم تعد قادرة على تحمل تبعات ذلك الإجهاد. (يمكن العودة في هذا الصدد إلى تدوينة لمسؤول في الخارجية الصينية على حسابه بموقع "تويتر" يتهم فيها الولايات المتحدة بالمسؤولية عن انتشار الفيروس).

إن المتأمل في السيناريوهات المحتملة للواقع الاقتصادي للدول في مرحلة "ما بعد كورونا" يكاد يجزم بأن العالم مقبل على تحول جذري في منظومة العلاقات الدولية بما يسمح بتراجع قوى، أو ببداية التراجع، إن غلبنا التفاؤل على التشاؤم، وظهور كيانات جديدة وقوى إقليمية أخرى صاعدة ستستفيد مما يحصل الآن. ألم تتأسس، إذن، الأمم المتحدة (عصبة الأمم) بناء على نتائج الحرب العالمية الثانية؟ ثم، ألا يعد هذا الوباء دافعا نحو فقدان المؤسسات الدولية لمشروعيتها الواقعية التي تأسست لضمان السلم والأمان للقوى العظمى؟

إن من يتجاهل حركة العالم ولا يحسن ترجمة آثار وجعه يصعب عليه، في نهاية المطاف، أن يغري الجمهور للذهاب لفضاءات الترفيه والتثقيف باسم الفن والأدب ...

إننا أمام فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار لفن الشارع، وفرجات الميادين، وفنون الفيديو، والوسائط الجديدة ... دون سلخ للذات أو انبهار بالآخر، والتشبت أكثر بالقيم الكونية التي تُعلي من شأن الإنسان، والتكثل من أجل الحفاظ على رافد كل ذلك وهو حقل التربية والتعليم.

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012