.

الأربعاء, 21 آب/أغسطس 2013 00:59

الساحة في زمن الثورة ... إبداع شامي لا محدود

كتبه  كريم بابا

استطاعت الحضارة الإغريقية في جانبها الإبداعي والنقدي أن ترسم المعالم الأولى للدراما المسرحية بمفهومها الكلاسيكي الذي ظل إلى الآن مرجعا للباحثين والنقاد والمبدعين على حد سواء، رغم ما شهده الفعل الدرامي من تجريب في سياق الثورة الإخراجية التي عرفتها فنون العرض عامة والمسرح خاصة في القرن العشرين، قرن الانقلابات الفكرية والثقافية والاجتماعية والعسكرية ...

إن ما يشهده العالم العربي من "مشاهد" التغيير والإصلاح، وما يرافق ذلك من إسالة لدماء غزيرة في كثير من المناطق العربية، وإن بشكل متفاوت، نجد أنها شكلت مرحلة فارقة في التاريخ المعاصر، أرخت بظلالها على زوايا مختلفة للإنتاج الإنساني، فتوسل رافعو شعار التغيير والثورة بكل إمكانات الاحتجاج، بدءا بالتصفيق والرقص، ومرورا بالغناء والنشيد، بل حتى الصراخ والصم ...، وكلها تعتبر في نظر رافعيها "أسلحة" حقيقة، تحقق أهدافها بأقل تكلفة مقارنة مع ثمن الثورات التي كان يعرفها التاريخ الإنساني عامة والعربي والإسلامي بشكل خاص.

وفي هذا السياق، نلاحظ، منذ بداية الحراك الشعبي بسوريا، مشاهد دفن الشهداء ومراسيم العزاء التي يرسمها ثوار الشام، أخذت صور "لوحات" أعادت استحضار الأحداث المبثوتة في بطون كتب التاريخ والحضارة والملاحم التي تتحدث عن الأسطورة الغربية الممجدة للآلهة وأنصافهم، وتقدس المعاناة وتجعل من الإنسان جزءا من ذاك المقدس وصانعا له كذلك، ونجد على سبيل المثال أسطورة أوديب، وديونيزوس، وأجاممنون، .... هذا الأخير الذي اشتهر في ملاحم هوميروس الشهيرة بـ"الإلياذة" والأوديسة"، حينما عاد من طروادة يحكي مجريات الحرب وأسرارها، أحداث شكلت مضامين نصوص درامية كبيرة، كانت الأسطورة شرطا وثابتا من ثوابتها التراجيدية.

وإذا وقفنا على إحدى تمثلات هذه المأساة العربية المستمرة إلى حين، فإن أصوات ثوار عاصمة الرشيد تفرض نفسها، ليس فقط لرفضها فضاعة المذابح المرتكبة، وإنما للأثر النفسي الذي تركته صور الأشلاء البريئة، والجثامين المحمولة على الأكتاف ... فضاع الحس الإنساني السليم وسط مذابح تعيد المنطقة إلى أقسى وأطول الخلافات السياسية والمذهبية عبر العالم، وتبعث قضايا من قبورها، وترسلها في نعوش لتزفها شعارات وأناشيد الحماسة والنصر، في إعادة، رغم اختلاف الزمان والمكان والأهداف، لما كان يقوم به شخوص الملاحم اليونانية الممجدة لذكريات أبطال "الميث"، من خلال عرض مآسيهم ومعاناتهم في ساحات الإغريق، بتأليف درامي في الثانية، وثورة حرية في الأولى.

إن سوريا التي أتحفت وأثرت الخزانة الفنية العربية بتحف درامية كبيرة لازال المشاهد العربي، بدون شك، يحتفظ ببعض عناوينها ورموزها التي نافست، بالكيف لا بالكم، المدرسة المصرية، وشخصيا لا زلت أحتفظ ببعض منها، كالمسلسل السوري "الأزرق"، الذي أُنتج في بداية التسعينات من القرن الماضي، إضافة إلى أعمال أخرى ساهمت في الرفع من ذوق المشاهد العربي، وكادت أن تسمو بأعماله في سجل الإبداع العالمي.

إن صور الغناء والرقص والاحتفال التي يؤديها ثوار الشام في ساحات البطولة الثورية، وبشكل منظم ومحدد مسبقا في الزمان والمكان، توحي بوجود ثائر مبدع يهدف إلى (استمالة) الرأي العام العالمي، وكسب مزيد من المؤيدين لقضيته، إلى درجة أن بدأت تلك الحلقات والمشاهد في ساحات تأخذ طابع (الماركة المسجلة) بأسماء ثوار تحولوا إلى أشباح تؤرق جفن وذهن "الجزار"، وترسم في الآن ذاته لوحات رائعة على مستوى قدرة الإنسان العربي على الإبداع خارج شروط ذلك الإبداع، ووفق قواعد الثورة الجديدة، لتعيد إلى الفكر وتستفز العاطفة مرة أخرى حال البطل االتراجيدي الذي كان يدفع ثمن خطئه الجسيم الذي ارتكبه في حالة فوران نفسي وعاطفي.

ويحضرني مرة أخرى السؤال الذي ظل ولا يزال يؤرق الكثير من النقاد العرب حول حضور مآسي الإنسان العربي في الأعمال الإبداعية العربية، خاصة فنون العرض منها، وما تفرزه من إشكالات نقدية تؤسس لمثل هذه الرؤى. فإلى متى سيبقى الكثير من المبدعين والمخرجين العرب بعيدين عن تمثل القضايا العربية؟ لا سيما وأن الوطن العربي متخم بالمآسي التي ينسخ ليله ما بنهاره، بل ويُنسي ثانيها أولاها بدم الأطفال والثكالى ...

فعذرا شام الكرامة ... هنا المغرب الأقصى ... وهناك حيث الشرق طرفنا الثاني ... فجسدنا بوصلته واحدة ... وإلى ساحة نصر قريبة، لنسمع شعار الشاميين الحزين: "يا الله مانّا غيرك يا الله ...".

 

 

1 تعليق

  • تعليق youssef ait sidi الأحد, 22 أيلول/سبتمبر 2013 14:26 مشارك من قبل youssef ait sidi

    موضوع رائع بمعنى الكلمة و يستحق الاهتمام والشكر للاستاد القدير كريم بابا

رأيك في الموضوع

على صواب

  • لا تسبوا الفايسبوك
    أصبح من قبيل التبرم والتعبير عن "الاستقلال" الذاتي عن إمبراطورية الهوس بشبكات…

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012