.

الأحد, 18 تشرين2/نوفمبر 2012 06:39

الصحفي والكاريزما ... ضرورة أم وهم

كتبه  كريم بابا. دراما ميديا

 

    ارتبطت كلمة "الكاريزما" في التداول المعجمي بين الناس بالمعنى السياسي الذي يقابل القدرة على قيادة وتوجيه الجماهير، وهو لفظ يحيل على القوة والشجاعة التي تخلقها عادة هيبة القائد أو الحاكم، على اعتبار أن من يتولى تلك المَهَمَّة يستخدم عقله وتفكيره ودهاءه أكثر من عضلاته، إضافة إلى الرصيد والتجربة التي تكون عادة لصيقة بمن يوصف أنه ذو كاريزما في الحكم والقيادة.
    هذا بالنسبة للعامل في المجال السياسي، لكن كيف يمكن ربطها واعتقاد أهميتها في مجال مهني خاص جدا، ويتطلب المذكرة والعلاقات العامة أكثر من أي شيء آخر مثل الإعلام، ناهيك عن قيمة الكتابة أولا وأخيرا !!
    وما قيمة تصنيف الكثير من الصحفيين عبر العالم الذين أصبح لهم تأثير كبير من خلال طريقة اشتغالهم وأسلوبهم «style» المهني، الشيء الذي مكنهم وجعلهم يتحولون إلى رجال أعمال يملكون، إضافة إلى حسابات بنكية مغرية ومشروعة نتيجة نجاحهم في العمل الإعلامي، شعبية وقدرة كبيرة على استقطاب الجماهير لمتابعتهم مثل نجوم هوليوود والرياضة وغيرها من المجالات التي تعتمد على شخصية صاحبها أكثر مما ينتجه ويبدعه في مجال معين؟
    فإذا أصابت هذه المقارنة فالأمر يبقى مثيرا للتساؤل حول وجاهة هذه المقاربة، من حيث قدرة شخصية الإعلامي الإنسان في تقوية المؤسسات الإعلامية والدفع بأسهمها إلى معانقة الأخضر على طول !!
1- نيني "شوف تشوف"
    "يوميات مهاجر سري" هو عنوان الكتاب الذي اختاره مؤلفه عتبة له، كتاب جمع فيه مذكرات الغربة والبعد عن الوطن ... وهي أشياء تقاسمها نيني مع آلاف المغاربة الذين استهوتهم "قوافل" الموت بين ضفتي البحر المتوسط، لكن تعاسة الكثير منهم أنهم لا يتقنون حتى القراءة فبالأحرى كتابة مذكرات يومية. فلم يتمكنوا من تدوين "مآسيهم" مثلما فعل "رشيد نيني" فيما بعد، وفي طبعتين اثنتين، جعلت منه، إضافة إلى نجاحه في تحقيق نسبة قياسية من مبيعات جريدته، ظاهرة فريدة في تاريخ الإعلام بالمغرب، وحققت له كذلك الشهرة التي يتمناها أي صحفي، عبر عموده الشهير "شوف تشوف" في جريدته التي أسسها وقادها معه ثلة من الصحفيين المغاربة ... ويحاول حاليا إعادة التجربة عبر الجريدة الجديدة "الأخبار" بعد قضائه لسنة في السجن بسبب القضية المعروفة بازدراء أحكام قضائية ... والتي اعتبرها صاحب العمود الأشهر "ضريبة في سبيل تقوية حرية الصحفيين المغاربة".
    لست هنا بصدد الدعاية المجانية لأحد، ولكن ضرورة المتابعة دفعتني إلى محاولة مقاربة دور إنسانية الصحفي في ترجيح كفة النجاح على الفشل، فلم أجد مثالا للنجاح الذي حقق شهرة كبيرة مثل الصحفي رشيد نيني.
    ويعاب على صاحب "شوف تشوف" أنه لا يحسن التواصل مع زملائه في "المهنة" ويختار عموده لتصفية حساباته مع الجميع، حتى مع زملاءه الذين شاركوه في بدايات "المساء". فباستثناء خرجات إعلامية محدودة، لا يكاد يظهر نيني في وسائل الإعلام المختلفة، خاصة المرئية منها، بحكم أنه أسس جريدة ورقية يومية كانت حينها الأكثر مقروئية مثلما يفعل زملاء كثيرون. فهل الأمر لا يعدو أن يكون مجرد مصادفة؟ وهل هي مجرد اختيار من صاحبها في عدم الظهور على القنوات التلفزية أم أن وراء ذلك تفسيرات أخرى؟
    وعموما يبقى أن رشيد نيني الإنسان استطاع أن يوظف تجربته الإنسانية في مجاله الإعلامي المهني باقتدار كبير، لكن نيني الصحفي أثار الكثير من التساؤلات حول ممارسته المهنية، وصلت لحد اتهامه بتكريس الممارسة "الشعبوية" في الصحافة الوطنية على حساب كل ما هو مهني وأخلاقي.
2- غسان بن جدو ... خانته عقارب الساعة
    بدأت صياغة هذا المقال قبل أيام على الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وبعدها مباشرة ظهر الإعلامي السابق في قناة الجزيرة غسان بنجدو، ومؤسس قناة الميادين حاليا، على إحدى برامجه ليصرح ويوضح مما اعتبره مجموعة مغالطات تنشر على صفحات الإنترنيت وبعض الجرائد العربية حول مواقفه من القناة القطرية وحركة حماس وأشياء أخرى، والمهم في الحكاية هي القناعة التي دفعت صاحب "حوار مفتوح" إلى التوضيح، بمعنى أنه صحفي ويريد التوضيح للرأي العام العربي !! وهي قضية تشير إلى أن بنجدو يوظف ما يعتقد أنها علاقات إنسانية ومهنية تربطه بالمتتبع والرأي العام العربي وتدعوه للتوضيح، من خلال توظيفه لخطاب يرتكز أكثر على هدف الحفاظ على رضى وطمأنينة المشاهد، في صورة تشبه بيانات المناضل والسياسي الذي يخاطب مناضليه وأتباعه.
    إن الذي دفعني إلى مناقشة هذه القضية هو ما حققه الإعلام عامة، والمرئي بالخصوص، من انتشار كبير لظاهرة ما يمكن تسميته بـ"الخطباء" و"البلغاء" على الفضائيات، وتحولهم من مجرد ناقلي الخبر ومحلييه إلى "شعراء"، بالمعنى المجازي للكلمة، مع تحفظ بسيط مفاده أن القدرة على التواصل والخطاب الإعلامي لا يخدش من قيمة الصحفي، بقدر ما يدفعه إلى الالتزام بشكل أكبر بمواصفات وضوابط المهنية.
    وأخيرا، فهل يرتبط نجاح الإعلامي بمدى امتلاكه لشخصية كاريزمية تؤهله لتطوير أدائه وعمله المهني، والتدرج في مسار مهنة المتاعب؟ أم أنها مجرد وهم وإدخال قاموس بعيد كل البعد عن السلطة الأولى؟ لأن السلطة الحقيقية للصحفي هي مهنيته وكفاءته في الالتزام بأخلاقيات المهنة أولا وأخيرا؟
    نتمنى الأفضل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

6 تعليقات

  • تعليق بلاش الخميس, 20 كانون1/ديسمبر 2012 21:58 مشارك من قبل بلاش

    الصحفي كيفما كان تخصصه يلزمه أولا الالتزام بأخلاقيات المهنة
    أما مسألة الكاريزما فهي مهمة في إدارة المؤسسات الإعلامية مثلا لكي تكون له كلمة الفصل في علاقته بالعملاء وبالمؤسسات الأخرى
    شكرا دراما ميديا

  • تعليق سناء الخميس, 20 كانون1/ديسمبر 2012 13:20 مشارك من قبل سناء

    أكيد كريم الصحفي يلزمه شخصية قوية لتكبد عناء مهنة بلاط صاحبة الجلالة ، لكن إكراهات العمل تحول دون دلك ، و تجعل من الصحفي مسير لا مخير

  • تعليق direct الخميس, 20 كانون1/ديسمبر 2012 12:40 مشارك من قبل direct

    نيني لا يمارس الصحافة

  • تعليق مغربي بأوربا الخميس, 20 كانون1/ديسمبر 2012 12:38 مشارك من قبل مغربي بأوربا

    موضوع جيد وأسلوب سلس وجميل
    غسان بن جدو انتصر لطائفته رغم حنكته الإعلامية التي ظهرت في برنامجه حوار مفتوح في قناة الجزيرة وأظهر مثل الكثيرين على (تعصبه) في زمن الربيع

  • تعليق atlas.new الخميس, 20 كانون1/ديسمبر 2012 12:36 مشارك من قبل atlas.new

    كما عهدناك صديقي وزميلي طموح ومثابر
    تحية ثقافية من عمق جبال الأطلس

  • تعليق نادية الخميس, 20 كانون1/ديسمبر 2012 11:29 مشارك من قبل نادية

    مبادرة جميلة ورائعة
    لقد خضتم التحدي في مجال وتخصص صعب، نتمنى لكم التوفيق والنجاح
    أسلوبك جميل وينم عن متابعة دقيقة للأحداث ... ربما تكون في المستقبل قدوة للكثيرين
    بداية موفقة لدراما ميديا

رأيك في الموضوع

على صواب

  • لا تسبوا الفايسبوك
    أصبح من قبيل التبرم والتعبير عن "الاستقلال" الذاتي عن إمبراطورية الهوس بشبكات…

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012