الأربعاء, 01 تموز/يوليو 2020 03:39

قراء في كـتاب التواصل المسرحي: أشكال التفاعل ومستويات التأويل

كتبه هشام حكام *

يتناول كـتاب "التواصل المسرحي: أشكال التفاعل ومستويات التأويل، للباحث المغربي الدكتور "عمر الرويضي"، قضية أساس تسم العملية المسرحية، بدءا من صناعة الفرجة المسرحية في العرض المسرحي التي يساهم فيها العديد من المتدخلين من المؤلف مرورا بالمخرج والدرماتورج والسينوغراف والتقنيون والمؤدون، وصولا إلى المتلقي (الجمهور)، الذي يعد الحلقة الأساس في العملية ككل؛ ويتعلق الأمر بمسألة التواصل المسرحي. وتعد هذه الإشكالية من التيمات المعقدة للإمساك بمستوياتها المعرفية لتحديد مسوغات التفاعل فيها وإدراك مستويات التأويل ضمنها، لأن العملية المسرحية تتعدد فيها الأصوات والخطابات، ليطرح السؤال متى تشرع عملية التواصل في العرض المسرحي؟ هل من بداية التأليف التي تتخيل مستويات الفرجة في العرض المسرحي أم عندما يشرع المخرج في صناعة الفرجة؟

وللإجابة عن هذه الاشكالات، حاول الباحث الدكتور "عمر الرويضي" في كتابه موضوع مقالتنا هاته، والصادر سنة 2017 عن منشورات "مسرح أبعاد" بمدينة الدار البيضاء، أن يمنح القارئ إجابة واضحة تكشف عن أنماط التواصل في العملية المسرحية، مبرزا العلائق التي تفصح عن هذه العملية لتحديد أشكال التفاعل ودرجات التأثير والتأثر بين المرسل والمرسل إليه، وآليات التأويل الكامنة في الرسالة التي يحملها كل من المؤلف والمخرج والدرماتورج والممثلين... لتصل إلى الجمهور باعتباره الغاية التي تحقق الهدف.

كتاب "التواصل المسرحي: أشكال التفاعل ومستويات التأويل"، صاغه صاحبه وفق منهجية محكمة تنم عن مدى إلمام الباحث بالقضية التي يتناولها، رغم صعوبة الموضوع والإشكالات التي يطرحها، مستهل بتمهيد، ومقسم إلى خمسة مباحث كلها تدور حول التواصل بشكل عام والتواصل المسرحي على وجه الخصوص، ففي التمهيد الذي خصه المؤلف لكتابه يلمح منذ البداية إلى صعوبة إيجاد تعريف دقيق متوافق عليه لمفهوم التواصل، وهذا التصريح مشروع علميا، لأن التواصل ليس مفهوما محددا ينتج معنى واحدا يتم إدراكه من قبل الجميع، فما بالك بالمسرح الذي تتعدد فيه الأصوات والرموز والإشارات والإيحاءات التي يخلقها العرض المسرحي عبر لغة الجسد. وفي هذا السياق، يرى الباحث أن ماهية التواصل تتحقق بشكل إيجابي وتفاعلي في المسرح، نظرا "لما يتسم به الفن المسرحي من انفتاح جماهيري يندمج فيه الممثلون مع المشاهدين" (ص:5)، وهو ما يعني أن التواصل المسرحي لا يمكن أن يتحقق في غياب عنصر مهم هو الجمهور باعتباره المتلقي الوحيد لمادة الفرجة في العرض المسرحي التي يساهم في إبلاغها كل من المؤلف والمخرج والممثلون...

في البداية، طرح الباحث إشكالية التواصل المسرحي، وقف في المبحث الأول على مفهوم التواصل من خلال ثلاث مدارس مختلفة اهتمت بالدرس اللساني الحديث ويتعلق الأمر بكل من السويسري "فريديناند دي سوسير" والروماني "رومان جاكبسون" والأمريكي "ليوناردو بلومفيد"، وقبل ذلك تحدث الباحث عن التواصل في التراث العربي القديم، واقفا عند تعريفات اللغويين، كتعريف "ابن جني"، وتعريف "ابن خفاجي" القريب نسبيا من تعريف "ابن جني" للغة، مضيفا إليه شرط الوضوح، أي أن يكون مفهوما لا يحتاج إلى تحليل لشرح معانيه، وهو ما يعني أن التواصل اللغوي لا بد من توافق معانيه ودلالاته لتحقيق الفهم والاستيعاب، أي أنه من الضروري تحقيق المعنى والدلالة على مستوى التركيب اللغوي كما هو الحال مع "أبي هلال العسكري" و"سيبويه" و"الجاحظ"، لتكون الرسالة مفهومة بين المرسل والمرسل إليه ليتحقق التواصل بشكل إيجابي.

أما فيما يتعلق بالتواصل عند الغربيين، فقد اعتبر الباحث "عمر الرويضي" أن اللساني "فريديناند دي سوسير" - من خلال كتابه "محاضرات في علم اللغة العام" - أحد المؤسسين المتنبئين بنظرية التواصل من خلال ثنائية اللغة والكلام أو كما يسميها بدورة الكلام بين شخصين. وإلى جانب "فرديناند دوسوسير" تحدث الباحث عن منجزات الباحث اللغوي "رومان جاكبسون" وإسهاماته المتميزة في مجال علم اللغة، إذ اعتبره من بين المنظرين الكبار لنظرية التواصل من خلال البحث القيم الذي نشره ضمن حلقة براغ سنة 1929، حول وظائف اللغة المتعددة، مما بوأه مكانة كبيرة ضمن نظرية التواصل بشكل عام. وبذلك انتقلنا من اللسانيات التي تنشط الذهن والدماغ إلى عالم المسرح الذي يسمو فيه جسد الممثل مع جسد المتفرج لخلق المتعة والنشوة والفرح. إنها نقطة التلاقي بين هذين الطرفين في دنيا أبي الفنون، فكيف يكون التواصل في المسرح؟

أمام هذا التساؤل وقف الباحث في المبحث الثالث من الكتاب في معنى التواصل المسرحي، ومقاربته من خلال أربع زوايا نظر مختلفة، ويتعلق الأمر بكل من "جورج مونان"، و"باتريس بافيس"، و"آن أوبرسفيلد"، و"كير إيلام".

وفي سعيه لرصد العناصر التفاعلية للتواصل في العرض المسرحي، وقف الباحث عند ثلاثة مكونات أساسية لهذه العناصر وهي: الفضاء المسرحي باعتباره مرسلا، والعرض المسرحي بوصفه رسالة، والصالة/ الجمهور بكونهما مرسلا إليه، وهذه العناصر هي أساس التواصل في العرض المسرحي.كما وقف الباحث عند ازدواجية المرسل إليه، مبينا في ذلك نموذجين تواصليين، يتجلى الأول على مستوى الركح بين الممثلين، والثاني يتحدد في الجمهور الذي يجلس في صالة العرض باعتباره متلقي الخطاب المسرحي، في حين يتعلق النموذج التواصلي الثاني بالجمهور بوصفه مستقبل العرض المسرحي.

وإلى جانب ازدواجية المرسل والمرسل إليه، تأتي ازدواجية الرسالة في الخطاب المسرحي، إذ أكد الباحث على أهمية الرسالة في عملية التواصل بشكل عام، فالخطاب المسرحي مبني بالضرورة على رسالة معينة موجهة من قبل الأطراف المشاركة في العمل المسرحي سواء من المؤلف من خلال نصه الدرامي، أو من الممثلين الذين يبثون خطابه على مستوى الركح، لتشكيل رسالة موحدة يتلقاها المتفرج، وبالتالي تأخذ الرسالة طابعا ازدواجيا من الناحية التواصلية في الخطاب المسرحي، بينما يتجلى الطابع الثاني للرسالة عندما تنتقل أحداث الركح إلى صالة المتفرجين، إذ يجد المتفرج نفسه أمام العديد من العلامات والأنساق الدلالية الصادرة من الممثلين، سواء عن طريق لغتهم الجسدية أو الصوتية، وما تحتويه الخشبة من عناصر السينوغرافيا من ديكور وإضاءة وأزياء وأشياء ركحية لتشكيل رسالة فنية تبعَث للمتفرج باعتباره متلقي الرسالة المسرحية.

في خاتمة الكتاب، أكد الباحث على أهمية التواصل في الحياة الاجتماعية الإنسانية عامة، فبدونه لا يمكن أن تستمر البشرية في وجودها، ومهما اختلفت درجات الاتصال بين الأجناس البشرية وتعددت لغاتهم، ورموزهم، وعاداتهم وتقاليدهم، فالتواصل سمة الوجود، كما شدد الباحث في خاتمة كتابه، أيضا، على أن التواصل في المسرح يعتبر مختبرا حقيقيا في تطبيق نظرية التواصل، ذلك أن العرض المسرحي تتوفر فيه كل  عناصر التواصل من (مرسل ورسالة، مرسل إليه، السنن...)، غير أنه ليس من السهل الإمساك بكل هذه العناصر إن لم نكن متمكنيين من نظرية التواصل، وملمين بالفن المسرحي نظرية وممارسة، لأن التواصل المسرحي في نظر الباحث عملية مدبرة تبدأ بالتفاعل وتنتهي بالتأويل.

وهكذا نصل لقراءتنا لهذا الكتاب للباحث "عمر الرويضي" إلى ملاحظة قيمة تتجلى أولا في أهمية طرق موضوع يعتبر من أعقد التيمات في تناولها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالتواصل المسرحي، إذ توفق منهجيا وفكريا، وتجلى ذلك في وضع القارئ أمام نظرية التواصل بشكل عام، والتواصل المسرحي بشكل خاص، محددا في البداية مفهوم التواصل وعناصره ووظائفه، وبعدها ناقش قضية التواصل في المسرح وكل هذا تحقق بفعل التكوين الأكاديمي للباحث الذي درس اللسانيات والمسرح معا، فتحقق التسلسل المنهجي والمعرفي في صياغة هذا الكتاب؛ ويتجلى الطابع الثاني في نية الباحث إلى تنبيه الباحثين والنقاد إلى الاهتمام بالتواصل في الخطاب المسرحي، والوقوف عند عناصره من النص إلى العرض، حتى يتم إدراك العلاقات التفاعلية التي يبثها أبو الفنون.

* باحث في مختبر المسرح وفنون العرض، جامعة ابن طفيل- كلية الآداب والعلوم الانسانية، القنيطرة.

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012