الثلاثاء, 05 أيار 2015 21:11

هل بإمكان المسرح أن يُؤَرْشِفَ الفاجعة كما صورها «جان جينيه»؟ *

كتبه  محمد سيف، باريس.

 

(هل هذه المدينة المهشّمة التي رأيتها وتجوّلتُ فيها وهي محمولة على رائحة الموت القوية٬ كانت بالفعل موجودة؟)

سؤالٌ يطرحه الكاتب الفرنسي (جان جينيه)، في نصّه الشهير (أربع ساعاتٍ في شاتيلا). نحاول بدورنا إعادة طرحه مثل باقي الأسئلة الأخرى الكثيرة من خلال لغة المسرح، وعصاه السحرية التي تدعو، إلى إعادة النظر في كتابة التاريخ وتفسيره. انطلاقا من فكرة أن المسرح نفسه، كممارسة، يمكن أن ينظر إليه باعتباره (شاهدا)، على صنع التاريخ، لا سيما أن مفهوم (الشهادة) متأصل في مفهوم الذاكرة، وعملية التذكر، والنسيان. هذا بالإضافة إلى أن بإمكان المسرح أن يعطي معنى للتأريخ، من خلال صياغة فهم جديد للماضي.

إن تمثيل التأريخ، مثلما يقول كريك دونيك، (هو شكل من أشكال الأداء الذي يساعدنا على فهم حاضرنا من خلال وعينا بالماضي، مثلما بإمكاننا أن نعكس الوقت والمكان الخاص بحياتنا، من خلال تفكيرنا به). وبهذه الطريقة يصبح بإمكان المسرح أن يكون وسيلة لحل تناقضات الماضي، بتوضيحه للأحداث في سياق أيديولوجي معاصر، سواء من خلال تسليطه الضوء على الأبطال، أو من خلال تجميع الناس حول ذاكرة جمعية، والعمل على تصحيحها وتوضيح نقاطها الغامضة، من أجل خير ومصلحة المجتمع. ولكن، في هذه الرؤية، هناك الكثير من الاشكاليات والتعقيدات، خاصة عندما يتم تصفيتها من قبل المستعمر نفسه، أو من قبل مرتكبي الجريمة أو المجازر. وهذا ما حدث بالضبط في الاعلام الاسرائيلي الذي حاول أن يجمل الجريمة التي ارتكبها سواء في صبرا وشاتيلا، او في مجازره الأخيرة في غزة، بإلقائه اللوم على غيره.

هناك العديد من الفنانين والكتاب الذين قرروا أن يقتطعوا شذرات من الذاكرة الجمعية، لتغذية أعمالهم الفنية والأدبية، سواء كان ذلك، في مجال الفنون البصرية أو فنون الأداء الحية. من بين هؤلاء الكتاب والفنانون، كان جان جينية الذي عاد الى الكتابة بعد انقطاع دام عشرة سنوات، لكي يصف لنا، (بذاءة الحب والموت في مخيمي صبرا وشاتيلا). لقد حاول من خلال اللغة، على الرغم من اعترافه بقصورها أن يصف لنا مجاورته للموت، يقول: (أنني أكتب هذا الكلام في بيروت، حيث كل شيء أكثر صدقاً مما هو عليه في فرنسا، ربما بسبب مجاورة الموت). لم يكن منحازا هذه المرة فيما يقول، وهو الذي عرف بمساندته للقضايا العربية والإنسانية في العالم بدءا من مناصرته للفهود السود بأمريكا، ومرورا بالقضية الجزائرية وانتهاء بالقضية الفلسطينية التي كرس لها، كتابين هما 'أربع ساعات في شاتيلا'، و"أسير عاشق"، مثلما دافع عن حقوق المهاجرين في فرنسا، ولقد كان لإقامته في المغرب حافز مهم لتعزيز التزاماته تجاه الكثير من القضايا العربية والعالمية، إذ عبر عنها في مختلف كتاباته ولقد استوحى في مؤلفيه: "السواتر" و"أربع ساعات في شاتيلا" وقائع موضوعية. وقد تميز هذا الكاتب عن باقي الكتاب الآخرين، بكونه رفض الغرب لأنه استعمر الآخر. إن جان جينيه شاعر تبنته المؤسسة الاجتماعية الفرنسية بعد أن سلمته لها والدته ولم يتجاوز عمره سبعة أشهر وقد أحس بهذا الجرح، جرح افتقاد الوالدين، فكان دائما يبحث عمن يتبناه، ووجد في القضايا التي ساندها خير معين، وكانت القضية الفلسطينية، بالنسبة له بمثابة هذه الأم والأب في الوقت نفسه، وأنه تعرف على العالم العربي من الداخل، وتفاعل مع قضيته المركزية عبر التزاماته نحوها ووجوده بين الفدائيين قولا وعملا، وأنه يعتبر الكاتب الغربي الوحيد الذي كان في حوار دائم ومستمر مع الكتاب العرب، لأنه ألغى الحدود الثقافية، أي أنه كان داخل العالم العربي، ومع الشعب الفلسطيني الذي تبناه هو الآخر وأعطاه مكانته اللائقة به.

يتناول جان جينيه (الصورة)، في مسرحية السواتر، الأحداث التي وقعت أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر. ولقد كتب في هذا الصدد: (إن الحقيقة التاريخية، يجب أن تظهر كما لو أنها قد وقعت في زمن بعيد، وتكاد أن تكون ممسوحة تقريبا). ما المقصود من هذا الكلام ؟ بلا شك، إن المقصود هو المهزلة. المهزلة خارج الزمن، وها هي تنبثق من جديد. إن الحدث في هذا النص يتموضع بشكل رئيسي بين الأرض والسماء. وإن الموتى فيه يحضرون بنوع من الاندهاش أو القلق، وفقا لمذبحة الأحياء. اليس هذا ما حدث أيضا، في مجزرة صبرا وشاتيلا ومجازر غزة الاخيرة ؟! بعض أحداث مسرحية (السواتر) تدور في بيت الدعارة. في حين أن احداث نص (اربع ساعات في صبرى وشاتيلا) تدور جميعها، في المخيم الذي تحول إلى رماد ومعرض للجثث المسودة ! ربما لأنه لم يكتب نصا مسرحيا على غرار (السواتر)، وإنما حاول أن يقوم، على الاقل بالنسبة لنا، باقتراح مسرحي يكاد أن لا يصدق من كثرة صدقه وغرائبيته في آن واحد. ولكن لماذا في بيت الدعارة بالذات؟ ربما لأن عالم الحرب بالنسبة لجان جينيه بمثابة دعارة. ويقول على لسان حال شخصية الرقيب: (قوات مدججة بالسلاح تغزوا الأراضي، في حين أن الأبطال الحقيقيون هم السكان الأصليون. إن سعيد، وليلى، والأم يعيشون زمانهم وهم مغتصبون). نلاحظ، إن جان جينيه في نص (السواتر)، يعيش حالة ألفة مع الملحمة، مثلما عاش الألفة مع الجثث في مجزرة صبرا وشاتيلا. بحيث يوجد في نص (السواتر)، 16 لوحة تصويرية ومائة كائن، ومكتوب بكثافة شعرية عالية ولا تخلو في الكثير من الأحيان من الكتابة البرازية-نوع من الأدب المتعلق بالبراز والغائط، وبالموضوعات الداعرة إجمالا- ومع ذلك فإن الغنائية فيه لا يستهان بها ولا تبعث على الازدراء وإنما على العكس، إنها في أوج عظمتها، مثلها في ذلك مثل الشكل الذي يؤطر الكتابة نفسها بجمل، مثل: (تفوح منك رائحة السرقة؛ وإن الحرب مضاجعة جماعية صاخبة).

إن عبقرية جان جينيه في هذا النص تكمن وبشكل خاص في المشهد الذي تقوم به القتلة بتمزيق السواتر، فيجدون أنفسهم فجأة، في مملكة الأموات. وللإشارة هنا، فإن السواتر في هذا النص تمثل الديكور، وتكون على هيئة واجهات تمثل: الصحراء، وبستان البرتقال، ومحل البقالة، وبيت الدعارة، وإلى أخره. وفي نهاية المطاف، إن جميع المخلوقات الموجودة فيه ستكون في وقت ما قد توفيت، مثلما في نص (أربع ساعات في صبرا وشاتيلا) وأثناء الجملتين أو الثلاثة الأخيرة، تكون الأموات قد حملت سواترها. فنرى الأم على سبيل المثال، تخرج من الخلف مع كرسيها. وهنا ينتهي كل شيء، إذ نكتشف أن ليس هناك قواعد في مسرح جان جينيه ولا رسائل، وإنما فقط، يوجد طعم للسيرك، ولمدينة الألعاب، وطعم للإنسان. في هذا النص يوجد، التمثيل داخل التمثيل وليس المسرح داخل المسرح فقط، مثلما يوجد أيضا طعم وذوق المسرح، وتمويه وكراهية للمسرح الفرنسي. تقول شخصية وردة، العاهرة الرقيقة والجميلة، في مسرحية السواتر: (في المركز، توجد المحرقة، جهنم الحمراء، ونحن بداخلها). ويبدو أن ما كانت تعنيه وردة بالأمس هو كذلك اليوم تماما، فجهنم الحمراء، والتطهير العرقي كان حاضرا أيضا في غزة، ولكن بشكل معاصر هذه المرة. في هاذين النصين، توجد هناك قيم وضحايا وجلادون، ويوجد أيضا من يذهبون (إلى حتفهم باسمين).

في خضم هذه الفوضى، وهذه الجرائم المجانية المتتالية، نتساءل بدورنا عن هذا الذي يمكن أن يقوله أو يسكت عنه الأرشيف المسرحي؟

وما هي الحدود التي تفرضها معرفة (التاريخ، وعلم الجمال، والنقد، وما إلى ذلك، على هذه المذبحة التي صارت تنتمي إلى الماضي الآن. وبالمقابل، ماذا ستعلمنا؟

وكيف نقدر على استنطاقها ؟

وكيف، بادئ ذي بدء، نحدد ونعرف طبيعة مسرح الارشيف أو الارشفة عن طريق المسرح؟

وكيف سيستخدم هذا الأخير، العلامات الخاصة التي يحتفظ بها الماضي، وفقا لهذه الالتباسات المقصودة؟

* المقال نشر سابقا بجريدة "القدس" ونعيد نشره باتفاق مع الكاتب.

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012