الجمعة, 26 أيلول/سبتمبر 2014 21:47

كريم بابا: التلفزة العمومية لا تواكب التحول السوسيولوجي للمجتمع

كتبه  هند رزقي، العاصمة بوست، الرباط.

صنع التلفزيون في هذه الأزمنة لنفسه عصراً بأكمله، وهناك من يعتقد أن هذا العصر التلفزيوني الحاضر في كل بيت وكل ملتقى هو الأداة التي اغتالت العمل السياسي بأساليبه المعروفة منذ بدأت عهود الديمقراطية، وراح كثيرون يدرسون بجد هل أصبح التلفزيون صانع سياسة؟ وبأية تكاليف على الوعي وعلى فرصة الاختيار الحر بل وحتى على الحقيقة. هناك من يغالي في دور التلفزيون ليقول إنه ساهم في تثبيت أنظمة وساعد في خلخلة الأوضاع في بعض البلدان.

الثابت أن التلفزيون لم ينعكس سلباً على الصحافة العادية، بل طال حتى الصحافة الراقية، مثل صحافة التحقيقات التي أثبتت كفاءتها في النفاذ إلى دخائل السياسة والغوص في خباياها وتغطية أكبر مساحة من وقائعها وأدق أسرارها، وهذه مدرسة صحافية تدرك أن النفاذ إلى العمق حق قارئ لا يعنيه ولا يرضيه أن تنحصر مهمة الصحافة في مدح الحاكم والإشادة بعظمته فيما فعل ولم يفعل، وتعرف أيضا أن قارئها يستطيع النظر إلى سطح الحوادث من متابعة التلفزيون، حيث أصبحت الصورة هي كل شيء، تلخص كل ما يحدث من اجتماعات واستقبالات ومراسم واحتفالات وتصريحات وبيانات في بضعة دقائق إلى حد كاد أن يكون الإعلام وسيلة من وسائل التزويق وليس التوثيق.

عندما أصبحت الأقمار الصناعية أفضل وسيلة لنقل الصور والكلمات، فإن التلفزيون ساعد في ضبط حركة التاريخ على لحظة واحدة وتوقيت جامع يحدث فيه كل شيء في كل مكان في اللحظة نفسها، وكانت المؤسسات سباقة وأصبح أقطابها أهم النجوم في البرامج السياسية وأقرب المؤثرين على عوالم الصورة، وكان التأثير فادحا وفي بعض الأحيان فاضحاً. حول دور التلفزيون في الحياة العامة طرحنا مجموعة أسئلة على فاعلين وسط النخب.

هند رزقي.

وفيما يلي نص الحوار:

< كم من الوقت تجلس أمام شاشة التلفاز؟

> أوقات مشاهدتي للتلفزيون غير ثابتة، فهي مرتبطة ببرامج القنوات التي أحرص على متابعتها ومشاهدتها من جهة، وكذا حسب المتاح من وقتي خارج العمل، والتزاماتي المهنية.

< ما هي أبرز القنوات التي تروقك متابعتها؟

> أشاهد قنوات كثيرة ومتنوعة، ليس للاطلاع على الأخبار فقط، وإنما لاهتمامي بالمجال الإعلامي من جهة أولى، ولمواكبة العمل التلفزيوني من جهة ثانية، لأن مشاهدة برنامج أو فيلم أو نشرة إخبارية، في قناة تمتلك صحافيين مهنيين، وأدوات عمل احترافية تكفي لتعوض ورشة تدريبية قد تستمر لأيام، خاصة عندما تواكب ذلك بالنقد والمقارنة بتجارب إعلامية غربية. أما بالنسبة للقنوات المغربية، فأشاهد برامج وأعمال درامية محددة، من أجل متابعة المرحلة التي يمر منها المشهد الإعلامي والثقافي المغربي.

< ما هي البرامج والفقرات التي تحرص على متابعتها؟

أتابع برامج متنوعة، وأقطف من البرمجة التلفزيونية المختلفة، كما أذعن لحالتي النفسية التي تختار في كثير من الأحيان الابتعاد عن هوس الأخبار، خاصة مع الهجوم الكاسح على الموت عبر العالم، والعرض المتوالي والمتكرر لمشاهد القتل التي تدمي القلب.

< ما هي أفضل قناة من وجهة نظرك؟

> لا توجد قناة مفضلة بالمعنى المطلق، لكني أحرص على متابعة ثلاث إلى أربع قنوات متخصصة بشكل دائم، أستقي من كل واحدة منها أخبارا رياضية، أو معلومات سياسية، أو أستمتع بمشاهدة مادة ثقافية.

 

< من هو نجمك التلفزيوني المفضل، أو الإعلامي الذي تجد فيه كل المقومات؟

 

> هناك أسماء كثيرة، وكل اسم له أسلوبه وطريقته الخاصة، أحاول أن أستفيد من الجميع.

< ما تقييمك لمستوى القنوات المتخصصة الوطنية، مثلا القناتين الأمازيغية، والرياضية؟

> لا أفضل كثيرا أحكام القيمة، لكن الأكيد أنه توجد في القنوات الوطنية طاقات إعلامية من خريجي المعاهد والمؤسسات الجامعية المغربية، وما زالت تنتظر فرصتها لتطوير الإعلام السمعي البصري بالمغرب، ومن أتيحت لهم فرصة الظهور، فقد اختاروا "الاحتراف" بالقنوات العربية الكبرى بالمنطق الرياضي.

كريم بابا

رئيس تحرير موقع "دراما ميديا"
حاصل على الإجازة في الإعلام والتواصل، وإجازة في القانون، وماجستير في المسرح،
ويحضر حاليا أطروحة دكتوراه في الدراما والوسائط.

< هناك من ينادي بتقديم النشرات الإخبارية بالدارجة حتى تفهمها شريحة أكبر من المجتمع، ما رأيك في ذلك؟

> الأمر لم يعد مجرد نداء، بل إن الدارجة أصبحت واقعا حاضرا بقوة في وسائل إعلام متعددة، فنجد استعمالا كبيرا للعامية في الإذاعات بالدرجة الأولى، والقنوات والصحف الإلكترونية والورقية بعد ذلك. أما بالنسبة لرأيي في الموضوع، فأعتقد أن هناك سوء فهم كبير يحاول البعض توظيفه في مثل هذه المواضيع، من خلال الخلط بين قيمة الدارجة على المستوى التواصلي اليومي، وبين حدود استعمالها في مجالات أخرى تعليمية ومعرفية بحتة. فلا أحد يجادل في التراث الشعبي الكبير المكتوب بالدارجة المغربية، سواء في الموسيقى أو المسرح أو الزجل، أو غيرها من الفنون، لكن قراءة كل ذلك ونقده وتطويره وحفظه، في زمن الفضاء المفتوح، لا يتم إلا عبر آلة تمتلك سمات حضارية وأممية قادرة على التداول الكوني، وإلا سنجد أنفسنا بعد سنوات منعزلين عن العالم، ولنا في تجارب الأمم الآسيوية خير مثال على ذلك، إذ أن لها رؤية ثقافية وتعليمية عظيمة في توظيف تعددها اللساني لخدمة التنمية الشاملة. أما بخصوص مبررات تقديم الأخبار باللغة الدارجة، فذلك ينمحي بسؤالنا فقط لأجدادنا وآبائنا الذين كانوا يتابعون الراديو في زمن ما قبل الفضائيات.

< كيف ترى توجه القنوات الوطنية للمسلسلات الأجنبية المدبلجة؟ وما تأثير ذلك على المشاهد؟

> يجب أن نعترف أن المسلسلات المدبلجة تعرف متابعة من طرف فئات اجتماعية وعمرية عريضة، وهذا الأمر يمكن أن يكون له تفسير اجتماعي ونفسي معين، وذلك راجع إلى الفراغ الذي تركه الإنتاج الوطني، ولأسباب فنية وأخرى تنظيمية وقانونية، دون إغفال مسؤولية إدارة القنوات العمومية، التي لا تحترم إجراءات تلقي العروض حسب ما يعبر عنه المنتجون المغاربة في مناسبات كثيرة، ودليل ذلك أن نسبة مشاهدة المسلسلات الدرامية المغربية، تزداد عندما تكون هناك أعمال محترمة، وتقترب من الذاكرة الشعبية المغربية.

هل تعتقد أن التلفزة ساهمت في خلق الوعي؟ أم أن الإعلام الحديث هو الذي توفق في تحقيق ذلك؟

يعد "القرب" العامل الحاسم في امتلاك أي وسيلة لعنصر التأثير في سلوك وممارسة المستقبِل، واستطاع الإعلام الجديد أن ينافس التلفزة على استئثارها وسيطرتها على الجمهور، مشكلا بذلك انعطافة كبيرة في تاريخ الإعلام.  ولم يعد خافيا أن الإعلام الجديد، بحكم اعتماده الأجهزة الرقمية الجديدة، ساهم في وقوع تغييرات اجتماعية وسياسية مهمة في السنوات العشر الأخيرة. لكن على الرغم من ذلك، فمازالت التلفزة تقاوم هذه المنافسة، وتحاول الحفاظ على دورها، خصوصا عند استحضار القنوات الفضائية، التي تمتلك مؤهلات مادية ورؤية تحريرية قريبة من نبض الإنسان.

هل أثرت التلفزة في العمل السياسي؟

التلفزة تؤثر في جميع مناحي الحياة، وليس فقط في العمل السياسي، خصوصا في البلدان الديمقراطية التي تمتلك قنوات عمومية عريقة، لأن التلفزة كما يعلم الجميع لا تستأذن في دخول البيوت، عكس باقي الوسائط الإلكترونية، وفضاءات العرض التي تتطلب حركة وجهدا بدنيا، إضافة إلى طابعها العائلي الذي يجعل منها الوسيط الإعلامي الأكثر جماهيرية، والأكثر تأثيرا، لأنها تخاطب مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، خصوصا مع ما أصبحت تتيحه الأجهزة الرقمية الجديدة من إمكانيات كبيرة لمشاهدة البرامج التلفزية على مواقع إلكترونية.

هل تتيح قنواتنا المجال لمختلف مكونات المجتمع للتعبير عن آرائها ومواقفها في البرامج التي تقدمها؟

لا أعتقد أن مختلف مكونات الشعب المغربي حاضرة في برامج قنواتنا الوطنية، إذ إن هناك أسماء كثيرة ثقافية وسياسية وجمعوية، لم تستطع أن تجد لها صوتا عبر شاشة "دار البريهي"، وظلت مهمشة لسنين وغير مرغوب فيها.

كيف ترى حضور المرأة في قنواتنا الوطنية؟

حضور المرأة في القنوات العمومية مثله مثل باقي القطاعات المهنية الأخرى، إذ مازالت الإعلامية المغربية مرتبطة بالصورة النمطية التي تشكلت في ذهننا، وهي أنها لا يمكن أن تبدع إلا في البرامج الموجهة بالأساس إلى ذوات جنسها، كالطبخ، والموضة، والاستشارة وأحوال الطقس، في إغفال تام لمبدأ الكفاءة.

هل تعكس قنواتنا التلفزية واقعنا اليومي؟

المشكلة في القنوات المغربية تكمن في بطء وتيرة اشتغالها، وعدم قدرتها على مواكبة التغيير السوسيولوجي الذي يعيشه المجتمع المغربي، وذلك راجع بالأساس إلى الضعف الكبير في البنيات التحتية، كما أن قلة الموارد البشرية تكرس ذلك، والبرامج التي تقدمها القنوات الوطنية جزء من هذا التشخيص، وكل نجاح يعرفه برنامج ما، يكون راجعا بالأساس إما إلى تجربة مقدمه، أو طبيعة ضيوفه.

من يستفيد من التلفزة، السلطة، أم الناس، أم أولئك الذين لهم علاقة بالإنتاج؟

لا يمكننا الحديث عن استفادة بالمعنى الربحي، لأنه لا توجد قاعدة موحدة في هذا السياق، كما أن موقع كل طرف يجعله يختلف من حيث انتظاراته من الإعلام، فالسلطة مثلا لها مسؤولية تطوير التلفزة باعتبارها مرفقا عموميا يقدم خدمة عمومية، وتوظفها كوسيط بينها وبين المواطن لتعميم المعلومة، ونشرها كسلوك دستوري وديمقراطي من حيث المبدأ، أما بالنسبة إلى المنتج، فيجب أن يحكمه مع القناة عقد واضح ومحدد للمسؤوليات مع الطرف الثاني في العقد، وهو إدارة القناة، والعكس صحيح، ويمكن الرجوع إلى القضاء في حال النزاع.

هل تحقق قنواتنا الوطنية مفهوم الخدمة العمومية؟

تحقيق الخدمة العمومية في القنوات الوطنية مازال طموحا وحلما فقط، وتعتريه عقبات كثيرة، أهمها الفساد الإداري، ويمكن الرجوع إلى توصيات اليوم الدراسي الذي نظمته وزارة الاتصال في فبراير الماضي، حول الإنتاج الوطني للوقوف على رأي المنتجين المغاربة في هذا الموضوع.

ماذا تعرف عن دفاتر التحملات؟ وهل قدمت إضافة إلى المشهد السمعي البصري؟

دفاتر التحملات، منطق تعاقدي تقليدي في جميع القطاعات الاستثمارية، وهو أمر مطلوب وأساسي لتنظيم العلاقة بين أطراف العمل التلفزي أيضا، لكن الحديث عن ما قدمته للمشهد السمعي البصري المغربي فلم نلمسه بعد، ولم نر له وقعا إلى حدود اليوم.

هل يؤثر الإشهار التلفزي في اختياراتك عند التسوق؟

وضعي المادي لا يسمح لي بأن أكون طيعا لاستهلاك كل ما يرسله الإشهار، وبالتالي لا أتأثر بالوصلات الإشهارية نهائيا في اختياري لأي منتوج.

 

الحوار نشر بجريدة العاصمة بوست، بتاريخ الاثنين، 15 سبتمبر 2014

 

على صواب

  • لا تسبوا الفايسبوك
    أصبح من قبيل التبرم والتعبير عن "الاستقلال" الذاتي عن إمبراطورية الهوس بشبكات…

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012