الثلاثاء, 22 كانون2/يناير 2013 21:35

الإعلام العربي والنظرية الحلزونية

كتبه  د. نادر فرح·

رؤية شاملة للإعلام العربي

خلال أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، بدأ يلوح في الأفق وافد جديد على الإعلام الدولي، ألا وهو "الإعلام العربي" بجميع مكوناته لا اللغوية ولا الإيديولوجية، الإخباري منه والترفيهي ... فكان لزاماً استقبال هذا المولود الجديد، وإن استدعت الضرورة عمليةً قيصيريةً، لتخليد تلكم اللحظات من التاريخ العربي المندثر واللامؤَرٌخ.

ولعل سبب نزول هذا المولود (المشوه) قد يختلف من دولة إلى أخرى ومن قُطرٍ إلى قطر، إلا أن القاسم المشترك كان واحدا؛ إثبات الدول العربية لذواتها وتعويض النقص الحاد الذي لزمها سياسياً ودبلوماسياً، وتسويق نظرة نمطية مُسَيٌسَة ومُبَرمَجة من لدن الساسة تملقاً في وجه الدبلوماسيات الغربية.

إذا حاولنا تجسيد مبياناً يبين مدى تألق الإعلام العربي وجديته واحترامه للأخلاقيات وللمهنية منذ نشأته الأولى إلى يومنا هذا، يمكن أن نجزم بمطابقته لنظرية "بن خلدون" الحلزونية؛ آخذين بعين الاعتبار نشأة الإعلام العربي على يد الحكومات والمؤسسات الكبرى، ثم انسلاخه ومحاولته التحرر وصولا إلى قمة التطور والتحرر في بداية القرن الواحد والعشرين، الشيء الذي لم يستغله الإعلام العربي إيجاباً لنفسه بعدم احترامه لمقومات الإعلام الحر ورفع الأداء المهني والسمو بالمهنة، مما جعله يفقد بريقه ومعها وجدت الحكومات فرصة إعادة إحكام القبضة على المؤسسات الإعلامية الكبرى وتسخيرها لبرامجها، ضاربة-الحكومات- المواثيق الدولية و الإقليمية بعرض الحائط.

مناكب قومٍ عند قوم، فوائد

هنا سآخذ فكرة فنان جزائري تحدث عن أولى خطوات ظهوره في الساحة الفكاهية مؤخراً، في معرض جوابه عن سؤال أحد الصحافيين قال: "ذات يوم في إحدى الحفلات الشعبية، ونحن نستمتع بأغاني الراي، فجأة انقطع التيار الكهربائي، بحسي السخري الفكاهي الشعبي، بدأت أُنكِت في محيط طاولتي و بصوت شيئاً ما مرتفع... عند عودة التيار الكهربائي، فُوجِئتُ بجموع الناس قد كونت حلقة محيطة بي وكل الآذان صاغية. فما كان عليهم إلا أن أجبروني على حمل الميكروفون وإتمام الحفل، بدل الجوق الموسيقي الحاضر".

{{إذا كان الضوء نعمة على البعض، فيمكن كذلك للظلام أن يكون فرصة انطلاق البعض الآخر}}.

هذا المثل هو تماماً ما ينطبق على ولادة الإعلام العربي، إذا حاولنا جرد تواريخ ميلاد معظم المؤسسات الإعلامية الكبرى، سنجد أنها مقترنة إما بحروب أو أزمات سياسية أو انقلابات أو ثورات... فمصائب قومٍ عند قوم، فوائد فعلاً.

فإذا أخذنا بعين الاعتبار العدد الهائل الذي تعج به الساحة الإعلامية العربية السمعية البصرية مثلاً؛ 740قناة مستقلة، إضافة إلى القنوات العمومية ثم الإذاعات الخاصة و العامة، وحاولنا تصنيفها كلٌ حسب تخصصها سنجد أن؛ حوالي 8% منها فقط هي المخصصة للأخبار، و7,5% منها للثقافة، أما الباقي فهو موزع بين الدين والمتعة والترفيه و"اللاصنف". 

في حين نجد أن الإعلام الورقي رغم غزارة الإنتاج، حوالي 460 جريدة حكومية فقط إضافة إلى المئات من الجرائد المستقلة، إلا أنه بدا ضعيفا مقارنة مع نظيره الغربي، ولم يلعب دوره في مواجهة التسلط الإعلامي الغربي.

ولعل نقطة الفرج قد أتت من حيث لا يدري أحد، مع غروب شمس الإعلام العربي لا الرسمي منه ولا المستقل، ظهر إعلام جديد حمل صفة " الإعلام الرقمي"، فقد يكون هو منقذ ماء وجه الإعلام الآخر ! من يدري.

لكن يبدو أن هذا الإعلام العربي الرقمي هو كذلك لا يرقى لتطلعات المتتبعين والقراء، نظراً لتفاهته وعدم جديته تارةً، وعدم مصداقيته ولامهنيته وتنافيه مع مبادئ وضوابط "الإعلام" تارةً أخرى.

الإعلام العربي، والأحداث المحيطة به

غالباً ما كان ويكون للإعلام بصفة عامة دوراً هاماً في تحريك مجموعة من الأحداث، الدولية منها أو الإقليمية، فتارةً تجده علةً لها وتارة يُزَجٌ به في دور الوساطة و نقل الأخبار، وتارةً أخرى تكون هاته الأحداث( حروب، صدامات سياسية دبلوماسية، أزمات دولية و إقليمية...)، تكون سبب نزول مؤسسة إعلامية جديدة و غالبا ما تكون بتمويل جهة من جهات الصدام.

التوزيع الجغرافي للإعلام العربي.

يعتبر الشرق الأوسط من الأقطار الأولى عربياً، من حيث عدد القنوات الفضائية و الإذاعات، علماً أن الإعلام أصبح استثمارا يتطلب رؤوس أموال ضخمة، و نظراً للموارد النفطية التي تحكم المنطقة، وجد المستثمرون ضالتهم في "الاستثمار الإعلامي"، رغم تبعيته العمياء للأقطار "الأنجلوسكسونية".

بعد الشرق الأوسط، يمكن اعتبار المغرب العربي ثاني قطر عربي من حيث المؤسسات الإعلامية خاصة مع ظهور مجموعة من الوجوه المغاربية و التي لم تُمنَح فرصة للعب دورها الإعلامي، مما اضطُرَّت هذه الروافد الإعلامية إلى تحويل الاتجاه نحو الإعلام الشرق أوسطي الذي أوجد ضالة هؤلاء، من ماديات و وسائل عمل ...

ويعتبر الإعلام المغاربي امتدادا للإعلام الفرنكفوني وبرامجه، تبعيةً تقنيةً مناهجيةً وبرمجةً.

أما في المرتبة الثالثة فتأتي الدول الأخرى التي ناذراً ما تمتلك قنوات فضائية مستقلة، إذ أن غالبية المؤسسات الإعلامية هي مؤسسات حكومية.

الإعلام العربي في حاجة إلى خطوات وتغييرات جذرية جريئة للتقدم ومحاذاة الإعلام الغربي، ومن أجل ذلك لابد من إستراتيجية متقدمة لإنتاج إعلام يعتبر المقاييس الدولية، وذلك بإشراك الخبراء والمختصين والتقنيين والمثقفين للتغلب على المصاعب التي يمر منها الإعلام العربي، وبالإنفتاح على التجارب الناجحة.

 ·ناقد إعلامي ومهندس إعلاميات

  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 

رأيك في الموضوع

على صواب

  • لا تسبوا الفايسبوك
    أصبح من قبيل التبرم والتعبير عن "الاستقلال" الذاتي عن إمبراطورية الهوس بشبكات…

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012