الجمعة, 08 آذار/مارس 2013 01:45

القناة الثانية: بين ضرورة النشأة وحتمية الانحدار

كتبه  حمدان داعي بلة

في أواخر ثمانينات القرن الماضي، كانت رائحة السجون والمعتقلات السرية قد زكمت الأنفس، وكان شتات الاشتراكيين والمعارضة في أرض الله الواسعة قد بلغ حده. واقتنع العالم بأسره أن بقلعة مكونة روائح أخرى غير رائحة الزهور، وأن بمدينة الريش ما هو أقسى من برودة جبل العياشي، كما اقتنع الحسن الثاني، ولو على مضض، أن كلاما من قبل: لا يوجد في قلعة مكونة سوى الزهور...، أو معتقل تازمامارت لا يوجد إلا في مخيلة أعداء الديمقراطية الحسنية، لم يعد له مكانا حتى في آذان الرأي العالمي، فبالأحرى لدى الرأي العام الوطني الذي يستنشق "روائح" مكونة، وتصله قساوة برودة "جبل العياشي" ليلا نهارا.

في تلك الفترة، وفي تلك الظروف، استشعر الحسن الثاني الأسوء، واقتنع أن السكتة القلبية آتية لا ريب فيها، فأصبح البحث عن المخرج أولى من لعب الكولف، وخلص إلى أن الحل هو تمكين المعارضة من السلطة حتى وإن كانت سلطة رمزية.

كانت الهوة بين المعارضة والقصر قد بلغت مداها، من هنا جاءت ضرورة ظهور القناة الثانية (الخيط الأبيض) لتكون سجادا أحمر يقود الاتحاديين إلى أبواب القصر.

مرت عثرات البداية بسرعة، صنعت القناة لنفسها مكانة لدى المشاهد المغربي الذي لم يكن قد عاش تجربة التعدد ما عدا تعدد الزوجات. بدأ عود القناة يشتد، ومعه رغبة الحسن الثاني في تحقيق ما خطط له، ترويض المعارضة ونزع مخالبها أو على الأقل تقليمها.

مع مرور الوقت أصبحت استوديوهات القناة مفتوحة في وجه أشرس المعارضين للنظام، يعبرون بـ"كل حرية"، ينتقدون، يعارضون، ينظرون، ... كان القصر يعلم أن المسألة لن تدوم طويلا، لذا تحلى بالصبر والرزانة اتجاه كل الطلقات التي كان يطلقها عليه المعارضين من قناة عين السبع.

مع توالي الظهور في بلاطو الأخبار وفي البرامج السياسية، استلذ الاتحاديون الأضواء، وسقطوا في غواية الكاميرات.

دخل حزب المهدي وعمر مرحلة التأقلم وتقليم المخالب، لقد أصبحوا جاهزين لقيادة الإصلاح من الداخل ...

نجحت القناة الثانية في دور السجاد الأحمر، وأوصلت الاتحاديين إلى أبواب القصر ... سعد الاتحاديون بالأضواء الكبرى، وسعدت القناة بنجاح "خيطها الأبيض"، واطمأن الملك حول سيرورة النظام، وسلاسة الانتقال في المستقبل القريب.

لم تكن "دوزيم" فقط سجادا للمعارضة، بل كانت قناة بشبكة برامج متميزة تلامس الواقع المغربي وموجهة للشعب، برامج سياسية جريئة وأخرى اجتماعية وترفيهية ورياضية لا تقل أهمية.

بنظرة سريعة على شبكة برامجها آنذاك، يتضح التنوع والتميز واستهداف جميع شرائح المجتمع: وقائع (سمية المغراوي، فضيلة أنوار)، تحقيق (محمد خاتم)، في الواجهة (مليكة مالك)، لكل الناس، تيارات، دين وفكر، وجوه سياسية، قضايا للنقاش (عبد الصمد بنشريف)، للصحافة رأي (حميد ساعدني)، الأربعاء المباشر، نعم أو لا (محمد العمراني)، بصراحة، الكلمة لك (نسيمة الحر)، الزاوية الكبرى (رضى بنجلون)، المجلة الرياضية (حسن فاتح)، الوجز الرياضي (مصطفى طلال)، حظك هذا المساء (عبد العظيم الشناوي)، فاصلة (عماد النتيفي)، وبرامج أخرى.

وصل الاتحاديون إلى السلطة، رحل الحسن الثاني، انتقل الحكم بسلاسة إلى وريث سره وعرشه الملك محمد السادس، فهل سترحل "دوزيم" مع رحيل الحسن الثاني؟ أم أن المباني لا تهدم بمجرد رحيل مهندسيها؟

لم تمر إلا أشهر معدودة على تولي محمد السادس الحكم، فسارع إلى تعيين مديرا عاما جديدا على رأس القناة، في إشارة واضحة إلى نهاية فترتها الذهبية، وإشارة إلى نفاذ صبر القصر اتجاه الطلقات الآتية من بناية عين السبع.

بدأت عملية تقليم الأظافر داخل القناة، بوضع خطوط حمراء جديدة للبرامج، وتهميش الكفاءات، وتوقيف البرامج الجادة، والدفع بنخبة من الإعلاميين المتميزين نحو البحث عن ملاجئ إعلامية أخرى في أرض الله الواسعة (أنس بوسلامتي، مليكة مالك، هاشم أهل برا، أنس بنصالح، يوسف آيت الحاج)، وآخرون.

إن ماضي القناة يتأسف على مآل حاضرها، لقد أصبحت مرتعا لكل أنواع "النفايات"، الفرنسية منها والمكسيكية وحتى التركية، والبقية تأتي ... إنها حتمية الانحدار، انحدار المهنية والأخلاق.

رأيك في الموضوع

على صواب

  • لا تسبوا الفايسبوك
    أصبح من قبيل التبرم والتعبير عن "الاستقلال" الذاتي عن إمبراطورية الهوس بشبكات…

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012