الخميس, 20 كانون1/ديسمبر 2012 13:05

التلفزيون في سنة 2012: إخفاقات وأزمات وتداخل الصلاحيات

كتبه 

توفيق ناديري• 
    كانت سنة 2012 استثنائية في تاريخ التلفزيون المغربي. فلأول مرة يقع اصطدام علني بين الحكومة والتلفزيون، ولأول مرة تسقط رؤوس بسبب دفاتر التحملات، ولأول مرة يقع تحكيم ملكي في نازلة إعلامية، ولأول مرة تزلزل الهاكا. لكن رغم ذلك، لم تكن النتيجة استثنائية. فما إن اقتربت السنة من نهايتها حتى انتهى التلفزيون كما بدأ، دون تغيير يذكر، بل وأغلق السنة بتراجعات ملحوظة على عدة مستويات قياسا ببدايتها، ليتضح في نهاية المطاف أن معركة دفاتر التحملات لم تكن سوى الشجرة التي غطت الغابة والتي تسلق عليها الكل لقطف ثمار سياسية لا إعلامية، في انتظار اكتشاف طبيعة هذه الغابة التي تبقى مبتدأ القصة ومنتهاها.
أزمة الدفاتر بين الخلفي والناصري
    انتهى العمل بدفاتر التحملات السابقة في دجنبر 2011، لكن وزير الاتصال السابق خالد الناصري لم يبادر إلى تجديدها، بل عمد إلى تمديد العمل بها حتى مجيء الحكومة نصف الملتحية لتصنع دفاترها الجديدة بنفسها، خلافا لما قامت به حكومة الفاسي مع قانون مالية 2012. ليظل السؤال معلقا، هل كان الأمر فعلا زهدا من الناصري في اختصاص حكومي أم بداية مسلسل محكم لفتح المجال لحكومة بنكيران للاصطدام مع صندوق سيادي اسمه "التلفزيون العمومي".
    بمجرد تعيينه وزيرا للاتصال، اكتشف مصطفى الخلفي بأن له اختصاصا حصريا اسمه إعداد دفاتر تحملات الإعلام العمومي، وهو الاختصاص الذي كان الوزراء السابقون يزهدون فيه، لكن الوزير الجديد تشبث به بمبرر أنه لا يعقل أن يذهب الوزير إلى البرلمان للدفاع عن برامج عمومية لا يساهم في وضعها وتتبع تنفيذها.
    لكن في خطاباته لتسويق هذا الاختصاص، بدا، حسب مصدر مهني، منفعلا جدا بل ومتسرعا في تأويل بعض النصوص الدستورية والقانونية، إذ كان يرد بعض الجمل كلازمات سياسية ثابتة في مواضيع ما فتئ الدستور يقر مبادئها ومازالت تنتظر قوانين لتنزيلها وتفعليها. وهو ما بدا جليا بالندوة الصحافية التي عقدها بالمكتبة الوطنية بتاريخ 30 مارس للإعلان عن مضامين هذه الدفاتر التي صاغتها الحكومة وصادقت عليها الهاكا. حينها تفادى الخلفي على خلاف وزراء الاتصال السابقين، إجلاس العرايشي وسليم الشيخ بجانبه في المنصة لتقديم هذه الدفاتر، مفضلا الجلوس لوحده. هذا "الإجراء البروتوكولي" كان كافيا لينذر بخلق توتر في العلاقة بينه وبين مسؤولي التلفزيون العمومي، وهنا رأى بعض المتتبعين بداية اكتشاف تخوم "الغابة" المفقودة.
    تمرد سليم الشيخ
    لم يستطع سليم الشيخ مواصلة الندوة، فانسحب قبل نهايتها. وكان منفعلا ومرتبكا، مما أثر حتى في انسجام مواقفه تجاه دفاتر التحملات، إذ خرج في استجواب بيومية أوجوردوي لوماروك" بتاريخ 3 أبريل، لينفي كل تلك الأخبار التي تتحدث عن عدم مشاركته في إعداد دفاتر التحملات، منوها بها ومثنيا في الوقت نفسه على الخلفي الذي أكد أنه في تشاور ولقاءات دائم معه. أسبوعان بعد ذلك، ينقلب موقف الشيخ رأسا على عقب، حيث خرج ليؤكد عدم إشراكه في صياغة دفتر تحملات دوزيم وأنها لم تراع أي تصور من تصورات المهنيين، رافضا الوصاية التي يحملها الخلفي على القطاع.
    أما العرايشي، فتريث في البداية قبل الخروج بموقف رسمي من هذه الدفاتر، وأكد أن الإعلام العمومي يجب أن يبقى بعيدا عن تأثير السياسي، وهو مبدأ لا يمكن التفريط فيه. وبالتالي فهو ليس مجالا لتصريف أفكار سياسية أو حزبية، قبل أن يخرج بنظرية سياسية كبيرة مفادها أن التلفزيون ينفذ سيادة الدولة لا سياسة الحكومة، علما بأنه الشخص نفسه الذي ظل يلقي بالمسؤولية على الحكومات السابقة في توريطه في الباقة التلفزية التي يشاهدها المغاربة اليوم، عندما وجد نفسه ينفذ تعليمات حكومية بخلق قنوات ووضع شراكات مع وزارات بعينها لصياغة برامجها في مساس باستقلالية الإعلام العمومي عن السلطة التنفيذية.
معارضة ضد لدفاتر التحملات
    خرجت معارضة دفاتر التحملات من رحم الحكومة عندما انتفض بعض الوزراء، وصرحوا بأن الخلفي لم يكتب سوى دفترا يعكس توجها حزبيا لا حكوميا، علما بأنه في الحكومات السابقة، لم تكن دفاتر التحملات تناقش بمجالس الحكومة بل تحال مباشرة من وزير الاتصال إلى الوزير الأول إلى الهاكا من أجل المصادقة.
    وزير الشباب والرياضة محمد أوزين الذي يرأس مجلس إدارة "المغربية للألعاب والرياضات" أكد أن منع الإشهار تم بمقاربة دينية إديولوجية، وبأن الخلفي ليس مفتيا يحلل ويحرم. وهو الالتزام الذي بقي في الدفاتر حتى اليوم ولم يدخل عليه أي تعديل، مما يدل على أن تصريح أوزين كان انفعاليا ولم يكن يعكس خيارا حكوميا.
    محمد رضا الشامي ونبيل بنعبد الله وصلاح الدين مزوار ومحمد الأشعري ومختلف الفرق البرلمانية، كلهم خرجوا بكلمة سواء حول رفض وصاية حكومة بنكيران على الإعلام العمومي، وتحت قبة البرلمان، انتفض الزايدي، وخيرات، وفتيحة العيادي، ويونس السكوري، والآخرون، ضد ما وصف أنذاك بمحاولة انقلابية على التلفزيون تقودها الحكومة الملتحية، ليتحول الجميع وبقدرة قادر، إلى مدافع عن تلفزة لم تكن يوما تثير غيرة أحد للدفاع عنها، وأحيانا بمبررات لا أثر لها بدفاتر التحملات بقدر ما كانت مجرد فقاعات سياسية شكلت فئة سياسية معارضة مكونة من المعارضة والأغلبية ضد المجهول. وهنا بدأت تنقشع بعض ملامح الغابة المفقودة، حسب المصدر ذاته.
    والدليل على ذلك، أن كل هؤلاء المنتقدين اختفوا أثناء المصادقة الثانية للهاكا، التي تمت دون لمس دفاتر بنكيران تماما كما حدث شهر مارس الماضي. ورغم أن مجمل التعديلات التي أدخلتها الحكومة على الدفاتر والتي لم تخرج إلى ساحة النقاش العمومي حتى اليوم، تم تمريرها رغم أن بعضها إما مخالف للقانون، وإما لا يساهم إطلاقا في تطوير التلفزة بحيث أصبحت كل الالتزامات الحقيقية مقرونة بعبارة "إذا أمكن" وبالتالي بقاء التلفزيون على حاله حتى أجل غير مسمى. والخاسر الأكبر في نهاية المطاف المشاهد المغربي الذي يفترض أن نواب الأمة يمثلونه أكثر مما يمثلون حسابات سياسية ضيقة.
    تحكيم لإنقاذ الدفاتر
    لما خرجت الأمور عن السيطرة ووصلت الانفعالات حدا لا يتوقع إلى درجة أن البعض صار يقارن بين أزمة دفاتر التحملات وأزمة خطة السعدي لإدماج المرأة في التنمية، استدعى الملك كلا من بنكيران وباها والخلفي بسبب دفاتر التحملات، ولما خرجوا من القصر التزموا الصمت بمبرر أنهم غير مخول لهم الحديث عن ما دار في لقائهم بالملك. وحتى الآن لم يتسرب من هذا اللقاء أي شيء، لتنقسم القراءات بين تيارين، واحد قال بمساندة الملك للتغيير وثان قال بغضب الملك من بنكيران.
    كانت هذه هي اللحظة الوحيدة التي أوقفت فيها انفعالات الجميع، حيث التجأت جميع الأطراف إلى التهدئة، خصوصا بعد سقوط الغزالي من على كرسي رئاسة الهاكا التي صادقت على دفاتر الخلفي في ظرف زمني قيل إنه لم يتعد 24 ساعة.
    بعد ذلك، التزمت الحكومة الصمت، ربما لأنها فهمت أن توالي التصريحات بخصوص دفاتر التحملات، يسمح بتوالي الصراع الإيديولوجي حولها، وبالتالي تقديم خدمة للمعارضين من حيث لا يدري رفاق بنكيران، لذا فضلوا نقل النقاش من الساحة العمومية إلى المؤسسات. وسار بنكيران إلى تشكيل لجنة وزارية وضع على رأسها نبيل بنعبد الله، وزير السكنى، لتعديل دفاتر التحملات.
    وهكذا، تم تعديل جل ما له حمولة دينية في هذه الدفاتر، خصوصا بعدما اتهم الخلفي بأنه تحول إلى مدير برمجة للقناتين عندما ألزمهما باستضافة علماء دين في البرامج الحوارية، بمبرر أن المجال الديني يندرج مبدئيا في خانة اختصاصات الملك كأمير للمؤمنين. في المقابل حافظت دفاتر الخلفي على إلزام دوزيم ببث آذان الصلوات الخمس يوميا ووقائع صلاة الجمعة وصلاة العيدين.
    كما تشبثت الحكومة بالجانب المتعلق بالالتزامات الخاصة بالحكامة، التي لم تعتد التلفزة العمومية الاشتغال بها، بل أكثر من ذلك ستكشف النقاب في حالة البدء بتطبيقها على مجموعة من السلوكيات التي كانت تعتمد في تمرير صفقات الإنتاج بين التلفزيون والشركات، خصوصا أن الخلفي صرح غير ما مرة بأن الكثير من الحروب التي حيكت ضد الدفاتر إنما يقف وراءها بعض الخاسرين في لعبة الحكامة من مسؤولي القناتين ومن شركات الإنتاج.
   الهاكا تدخل على الخط
   بعد عودة دفاتر التحملات المعدلة إلى الهاكا للمصادقة عليها للمرة الثانية، وجدت هذه الأخيرة نفسها أمام حرج قانوني وسياسي وأخلاقي، فالمشرع منح الهاكا مسؤولية المصادقة على دفاتر التحملات التي تعدها الحكومة، دون أن يرفق هذه المصادقة بمقتضيات قانونية تعرفها أو تحدد حدودها.
   وهذا الغموض القانوني هو ما سمح بخلق مواجهة بين الهاكا والحكومة بخصوص هذه الدفاتر، بعدما أبدت هذه الأخيرة استياءها من الملاحظات والمقترحات التي أبدتها الهاكا بخصوص هذه الدفاتر، على اعتبار أن الهاكا ليس مخولا لها أن تفرض الملاحظات أو تعيد صياغة دفاتر التحملات، التي تبقى اختصاصا حكوميا محضا، وبالتالي تكون الحكومة قد رفضت "الاجتهاد القانوني" للهاكا التي اعتمدته في التعامل مع مسطرة المصادقة على دفاتر التحملات حتى لا تتحول إلى مجرد "غرفة للتسجيل".
   وشملت ملاحظات الهاكا مجموعة من النقط المتعلقة بالإنتاج والأمازيغية والجهوية والإنتاج الوطني وآليات الحكامة والبرامج الدينية والتقنين الذاتي والاستقلالية التحريرية، ورفض بنكيران لاقتراحات الهاكا كان شديد اللهجة، وهو ما لم يستسغه أعضاء المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري، لكنهم، في الوقت نفسه، عجزوا عن الرد على الحجة بالحجة، وبالتالي لم يبق أمامهم من منفذ سوى المصادقة أو عدم المصادقة.
وهكذا يكون بنكيران رفض اعتماد اجتهاد الهاكا ومنحها فقط تواب ذلك، فالتجأت في نهاية المطاف إلى المصادقة دون تعديل يذكر على اعتبار أن عدم المصادقة يفسر على أنه اصطدام للهاكا مع التحكيم الملكي في الملف شهر أبريل الماضي، والذي أعقبه تنازل بنكيران والالتجاء إلى تعديل هذه الدفاتر تنفيذا "للتوجيهات الملكية" وهو ما ألمح إليه نبيل بنعبد الله في إحدى خرجاته الإعلامية. وبالتالي سيفهم بأن الهاكا صارت تعرقل سلامة العمل بين المؤسسات الدستورية، لتنتهي بذلك سلسلة الانفعالات ويجلس كل طرف لاحتساب خسائره ومكتسباته في هذه المعركة.
   في المقابل، يظل المشاهد، حسب المهتمين، الخاسر الأكبر إذ عمد الإعلام العمومي إلى تجميد دخوله التلفزي منذ رمضان الماضي وحتى أجل غير مسمى بالإصرار على بث شبكات برامج معادة كليا للإيهام بقتل حكومة بنكيران للتلفزيون. لقد تم خلال سنة 2012 تهريب النقاش حول ضرورة إصلاح التلفزيون العمومي إلى النقاش السياسي حول تنازع الصلاحيات بين الحكومة والدولة في الإعلام، مما "حول دفاتر الخلفي، أخيرا، إلى قضية دولة، واليوم صارت تبدو وكأنها مجرد حادثة سير إما بسبب عدم احترام إشارات المرور بين المؤسسات الدستورية، أو بعدم احترام أسبقية "اليمين" على "اليسار"، أو بعدم احترام السرعة المسموح بها في طريق سيار ظن البعض يوما أنها من دون أداء، وقد يكون السبب فقط الحالة الميكانيكية المهترئة لبعض المؤسسات أو لبعض الأفراد والتي كانت سببا كافيا في هذا الاصطدام العنيف، ليكتشف الجميع أن مدة صلاحية التلفزة العمومية قد انتهت"، يقول المصدر.
   • صحفي بجريدة "الأخبار"

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012