الخميس, 20 كانون1/ديسمبر 2012 13:17

التلفزيون والمنع بالعرض

كتبه  د. السهلي بلقاسم


عند الحديث عن وسائل الإعلام بشكل عام وجهاز التلفزيون بشكل خاص، باعتباره اكتشاف غيَّر مجرى تاريخ البشرية من الناحية التواصلية في أدنى مستوياته الوظائفية، فإننا نقف عند الأبعاد المتعددة والآليات المعقدة لهذه المؤسسة الإعلامية، لأن التلفزيون تعدى حدود الاكتشاف التقني، حيث تحول من جهاز حامل للصورة والصوت إلى جهاز حامل للأفكار، والأيدلوجيات، والثقافات، ومساحات مختلفة للإخبار، والترفيه، والتثقيف، والترفيه، والإشهار ...
وهذا ما نلاحظه في بحوث ومؤلفات عديدة وصلت إلى حالة الوعي الكامل بخطورة هذا الجهاز، وعمليات استغلاله لتوصيل خطابات تسيء إلى العديد من المبادئ والقيم الكونية، وإخضاع العالم للقيم المادية والاقتصادية تماشيا مع مبادئ وقيم العولمة؟؟
فلم يعد التلفزيون ذلك الجهاز المبهر والمدهش بكل ما أنيطت به من صفات وتسميات: كـ"صندوق العجائب"، و"نافدة على العالم"، و"الفن الثامن"، و"الابن المدلل للسينما" ... جل هذه السمات لم تعد تعني شيئا لمتلقي التلفزيون لأسباب مباشرة تتعلق بالمنافسة بين وسائل الإعلام المختلفة، وانتشار الشبكة العنكبوتية للمعلومات، ولأسباب أخرى لا تقل خطورة عن الأسباب المباشرة، خصوصا أنها أسباب تناولت الاستغلال البشع وغير المسؤول للتلفزيون.
تبنى العديد من الأكاديميين والباحثين والمفكرين والمثقفين الرأي القائل بأن التلفزيون قد انحرف عن مساره، ولم يعد بالإمكان السيطرة على هذه الثورة العلمية في مجال الاتصال، على غرار فقدان السيطرة على التطورات العلمية في الميادين المختلفة !!
ويأتي كتاب "التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول" للصحفي الفرنسي بييربورديو*، الذي ترجمه للعربية "درويش الحلوجي" وطبع بدمشق، أحد هذه المراجع التي حاولت تسليط الضوء، وبمهنية عالية، على ما يجري داخل هذه المؤسسة الإعلامية.
ويعتبر الكتاب، رغم صغر حجمه، وثيقة مهمة في دراسة طبيعة العمل التلفزيوني. بالرغم من إدراج المؤلف اتهامات متعددة للتلفزيون، من أهمها أن التلفزيون جهاز لا يساعد على نشر الديمقراطية ... لأننا وبكل بساطة لا نستطيع أن نقول كل شئ من خلال التلفزيون. لأن طبيعة التلفزيون والقائمين على العمل التلفزيون يفرضون شروطا مسبقة للبرامج التلفزيونية، كعرض الأسئلة، وطريقة الحوار، والضيوف المشاركين، وسلطة الزمن التلفزيوني .... إلخ.
ويذهب بورديو إلى أبعد، حيث يتهم التلفزيون بأنه يمارس نوعا من العنف الرمزي المؤذي – وهذا العنف في رأي بورديو- يمارَس بتواطؤ من قبل الذين يخضعون له وممارسيه. وأهم ما يميز هذا العنف أنه عنف غير مدرك، ونحن غير واعين بممارسة هذا العنف أو الخضوع له. وأبرز مظاهره كون الصندوق الخشبي يستهلك أوقات الناس ويملؤها بأشياء غير ضرورية وغير مهمة، تحاول التحايل على الحقيقة والالتفاف حولها. ذلك أن ما لا يُعرض على التلفزيون لا يقل أهمية عما يعرض، فهناك مواضيع يقرر حراس البوابة الإعلامية عدم بثها، لأن ذلك قد تكون له نتائج سلبية أكثر تعقيدا، وبذلك يقوم التلفزيون بتقويض مفهوم الديمقراطية في عدم عرض الحقيقة وتزييف الوعي، وحجب المعلومات. فتبدوا الأشياء في صور مختلفة ومبهمة ومغلوطة ... !!! وهذا ما يسميه بورديو بالمنع بواسطة العرض، أو العرض بواسطة المنع.
وضمن آليات متعددة ينتهجها التلفزيون للتلاعب بالعقول، يذكر المؤلف أن العداوة بين التلفزيون والفكر الإنساني عداوة قائمة على أساس السرعة في طرح الأفكار المتفق عليها، أو ما تسمى بالأفكار الجمعية ... تلك المفاهيم التي يرعاها التلفزيون والقائمين عليه، من أجل تلبية وإرضاء المستهلك (المشاهد)، فترفع نسبة المشاهدة.
ويضرب المؤلف مثالا عن ذلك ببرامج الندوات، ويعتبرها برامج "زائفة"، لأن المتحدثين شخصيات غير متكافئة، ولا تحظى بنفس الامتيازات، سواء على مستوى الاهتمام أم على مستوى التوزيع الزمني لكل متحدث، أم على مستوى الحضور داخل البرنامج ... إنها ندوات تتداخل فيها الأوراق، ويصبح البرنامج حينها عبارة عن صراع حواري بين الحاضرين، و"الغلبة" فيه لصاحب الصوت الأكثر وحشية وشراسة والأكثر صراخ ... وهذا ما يسعى إليه القائمين على العمل التلفزيوني، لأن ارتفاع وثيرة الصراع يولد الإثارة التي يستغلها التلفزيون في استدراج المستهلك لبضائع بخسة. لأن من سوء حظ التلفزيون أنه خاضع للضغط التجاري ويرهن بالتالي ويخضع العاملين فيه لـ"ضرورات" العمل !! ومن الصعب تبعا لذلك أن يبدي أي أحد من العاملين الدخول في مقاومة فردية أو جماعية، مما يحول الصحفيين إلى مجرد دُمى قد تظهر أحيانا وأحيانا كثيرة تبقى مختفية في دهاليز الاستوديوهات.
وهناك تفاعل كبير للقوى داخل مجال التلفزيون، فيجد المهيمنون والخاضعون للهيمنة في المجال التلفزي أنفسهم في ساحة الصراع من أجل التغيير، أو الاحتفاظ بالوضع كما هو .... ويرى بورديو أن المعلومات التي يقدمها التلفزيون متشابهة ومتجانسة ومتماثلة لا تصدم أحد، ولا تمس التكوينات العقلية العميقة للمتلقي، بل تسهم بشكل واسع في تكوين عقليات مساهمة في الانحدار الأخلاقي والثقافي، على اعتبار أن الصحفيين، من وجهة نظر، بورديو فقراء ثقافيا، وذلك للتهافت المتسارع باتجاه الأخبار والأحداث التي تُملى عليهم ولا يستطيعون أن يقولوا فيها قولا صريحا. هذا إن توفرت لهم وجهة نظر أو رأي خاص، لأنهم تحت المراقبة متعددة البوابات.
والتلفزيون لا ولن يساهم في تكوين ثورات سياسية أو فكرية وحتى علمية. فالجهاز الإعلامي يقوم على احتكار الخبر، واحتكار توزيع ونشر الخبر، وبالتالي توجيه العقول التي تستقبل الخبر. لأن الشاشة الصغيرة تتمتع بسلطة التحكم بأدوات التعبير العامة، وهذا الاحتكار مرتبط بشكل آلي بنسبة الإقبال، أي التفكير وفقا لاعتبارات النجاح التجاري.
ويضيف بورديو أن التهافت على رفع نسبة الإقبال والمشاهدة يحول القائمين على العمل التلفزيون ضحايا، بوعي أو بدونه، من خلال تدني مستوى اخيارهم وذوقه الفني ... فنصبح أما معادلة عجيبة مفادها أن الأذواق الهابطة تساهم في رفع مستوى الإقبال. ومن أجل إرضاء هذه الأذواق يقدم التلفزيون أعمال تفتقد إلى الجودة الفنية، والسلامة الفكرية، وهو بذلك يساهم في التنازل عن مجموعة من المبادئ الفكرية، والثقافية، والاجتماعية، بالنسبة للعاملين في التلفزيون وللمتلقين.
ويتحدث "بورديو" عن المقدرة الذكية للتلفزيون التي تساعده على التهام الصحافة المكتوبة وتحويلها إلى أداة من أدواته. تتناول ما يقدمه بالنقد والتحليل، وتدرج بين طيات صفحاتها المواعيد التلفزية الأكثر إثارة، بل في أحيانا عديدة تذهب الصحافة المكتوبة إلى الغزل الصريح للتلفزيون ...
ويمكننا القول هنا إن فعالية هذه الآليات التي يتحدث عنها "بورديو" تعتمد، في نشاطها، على الافتقار المعرفي لدى المتلقي المتهافت على الاستمتاع والمشاهدة، الشيء الذي أحدث ثقبا أسود في ذاكرة الوعي البشري، مما ساعد التلفزيون على نشر التظليل والتهويل لقضايا مهمة، من أبرزها قضايا حرب الخليج بأعدادها الثلاثة، والتضليل الإعلامي لما يحدث في الشوارع العالمية من حراك شعبي، إما بالتشويه أو التحريف أو التهويل ...
وأخيرا، فنعتقد أن "التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول" كتاب مهم استطاع تسليط الكثير من الضوء على كواليس العمل التلفزيوني، من خلال دراسة فكرية واجتماعية لوسيلة إعلامية ظلت لفترة طويلة وسيلة ترفيه بريئة.

*بيير بورديو صحفي واجتماعي فرنسي له العديد من المؤلفات أهمها - بؤس العالم- وترجمت العديد من مؤلفاته إلى العربية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012