السبت, 03 أيلول/سبتمبر 2016 20:29

شعرية الخطاب المسرحي بين الأدب وصناعة الفرجة (2)

كتبه  عبيد لبروزيين

يعتبر ''مايرخولد'' و''كروترفسكي'' و''أرطو'' من أبرز المعتمدين على لغة الجسد وتقويض اللغة الدرامية، وذلك بعد تأثرهم بالمسرح الشرقي، فـ"لإيجاد التأثير الذي كان يرغب فيه ''آرطو'' سعى إلى لغة مسرحية تقوم أولا على الحركة والصوت، وهو بالنسبة لفكرته عن الحركة، يدين بالفضل إلى إدراكه لكنه المسرح الشرقي". كما طور ''مايرخولد'' أسلوبا عرف بالبيوميكانيكا، يعتمد الحركات الآلية للممثلين. أفلا يعد هؤلاء أول "الجناة" على شعرية النص الدرامي؟ أم إن شعرية الحركة والفعل المسرحي بنيت على أنقاض النص الدرامي؟

تختلف شعرية الخطاب المسرحي من تجربة لأخرى، فتجربة العبث تختلف عن الدادائية والرمزية والوجودية، فهل للشعرية ميكانيزمات تساعدها على دراسة كل تجربة على حدة؟ أم إن كل تجربة تؤسس شعريتها بمقوماتها الجمالية الخاصة؟

أصبحت اللغة الدرامية -منذ مطلع القرن العشرين- تتراجع عن مكانتها الرئيسة، حتى أن مايرخولد "أصبح يعتقد أن الأداء الصامت أرقى من الكلمات". ألا يعدو هذا التوجه هروبا من ضعف شعرية اللغة في أداء رسالتها التواصلية والجمالية؟ أم إن المشكلة ليست لغوية بقدر ما هو تحول لوظائف أعضاء الجسم كما في قول إيفرينوف: "نسمع بعيوننا أكثر ما نسمع بأذاننا " ؟

إن شعرية الخطاب المسرحي غير واضحة المعالم رغم ما كتبته "آن أوبرسفيلد" في علاقة النص بالعرض، وكذلك ما استعرضه حسن يوسفي في الميتامسرح. ونحن نحاول رصد الشعرية في علاقتها بالعرض، بعيدا عن الالتزام بهؤلاء، لا نجد إلا جملا من قبيل: "إن عناصر الديكور تعتبر إشارات ورموزا حافلة بالمعاني، ثرية بالدلالات أسوة بالعناصر اللغوية"، وهو ما يجعل شعرية المسرح غير واضحة المعالم. لكن، وباعتبار النص الدرامي نصا أدبيا، وتناوله بعيدا عن الفرجة يسقط بكونه نصا مسرحيا، وكما يقول حسن يوسفي: "مما لا مراء فيه أن كل تصور نظري حول المسرح لا يأخذ بعين الاعتبار ثنائية النص/العرض، يعد تصورا ناقصا...". وليست ثنائية النص/العرض القضية الوحيدة التي تتخبط فيها شعرية الخطاب المسرحي، بل "إن مراجعة المنجز المسرحي العالمي تكشف عن نماذج لا حصر لها من المسرحيات التي تتخللها أو تدرج ضمنها أجناس تعبيرية (قصائد، حكايات، أساطير، حكم، أغان، أقوال مأثورة، أمثلة شعبية، مذكرات، اعترافات، رسائل، نصوص دينية)." 

وعند تحويلنا زاوية النظر من داخل العمل المسرحي إلى خارجه تطالعنا نظرية التلقي "إن نظرية التلقي الجديرة باهتمامنا هي تلك التي تعتمد على الخاص والذاتي، أي القراءات الفردية للعمل الفني". هذا بعد أن أعلن ''باتريس بافيس'' أن "السميولوجيا غير قادرة على تفسير دينامية نظم العلامات والآليات المختلفة التي تحكم نظم الدلالات المختلفة"، واعتمد "بافيس" إثرها ما عرف بجماليات التلقي بعد المنهج السيميوطيقي الذي عده عاجزا عن مجارات نظم العلامة. 

إن شعرية الخطاب المسرحي تجبرنا على أن "ندرك أن الخطاب باعتباره منطوقا يتسم بالاستخدام الفعلي الملموس والفردي للغة. ويتمثل هذا الخطاب بالنسبة للمسرح في الطريقة الفعلية التي يقوم بها الإخراج الدرامي بتنظيم العالم التخييلي للنص (شخصياته وأفعاله وطريقة تمثيله للواقع)، وذلك باللجوء إلى مستجدات مختلفة منها الممثل (باستخدامه لصوته ونبرته وطريقة كلامه وإلقائه) وكذلك خشبة المسرح بأكملها، والطريقة التي يتم بها تنظيم العناصر المسرحية فوقها" . ولذات السبب جاء كتاب "المسرح والمرايا" لحسن يوسفي كمشروع يحاول التأسيس لشعرية الخطاب المسرحي، ولذلك كانت الميتامسرح بالنسبة إليه قمينة على إجابتنا عن بعض أسئلة الشعرية المسرحية.

وينطلق ''رينيه ويليك'' و''أوستن وارين'' في كتابهما ''نظرية الأدب'' إلى دراسة بعض الخصائص الشعرية كالصورة والمجاز والرمز والأسطورة، ولكنهما يقران على أن "المسرحية مازالت كما كانت بين الإغريق -فنا مختلطا أدبيا بشكل مركزي ولا شك، لكنه يشتبك أيضا بالعرض- يستفيد من مهارة الممثل والمخرج وصانع الأزياء ومهندس الكهرباء" . ولقد وردت مثل هذه الإشارة البسيطة والمهمة في العديد من الكتب التي تعنى بالمسرح، لكنها بقيت دون التفصيل فيها وإبراز دورها الجمالي والدلالي في علاقتها باللغة، إلا أن آن أوبرسفيلد في كتابها "قراءة المسرح""Lire le théâtre" فسرت القول في علاقة النص بالعرض، وبهذا جاء تعريف آن أوبرسفيلد للنص المسرحي في قولها: "هو النص الأدبي الوحيد الذي لا يمكن مطلقا قراءته قراءة تعاقبية والذي لا يستوعب إلا في كثافة العلامات "المتزامنة" أي العلامات المتراصة في الفضاء التي تحتل حيزا في الفضاء" .

تعطي اوبرسفيلد للمكان والزمان مكانة مهمة في حفظ شعرية الخطاب المسرحي، باعتبارهما ذاكرة ومرجعا Référence، إلا أن ''بيتر بروك'' يقول: "إن تعبير المكان والزمان تعبيران مائعان ودون معنى محدد، وإن العقل قادر في ومضة خاطفة على الانتقال من الأمس إلى أستراليا" ، إن القاسم المشترك بينهما هو الوعي باستحضار الخشبة. أما الاختلاف بينهما فيتجلى في استحضار الركح في ماديته المرجعية و استحضار الركح على مستوى الأخيلة في الخطاب الثاني وتفاوت نسبة الأهمية. 

إن أهمية المكان والزمان في العرض المسرحي يحتكمان إلى رؤية الكاتب والمخرج، فالكتاب الذين اعتنقوا مذهب العودة إلى الأصول والباحثين في الأشكال البدائية للتعبير يصبح ليدهم دور الزمان والمكان غير محدودان في الزمان و المكان نفسه، في حين أن "أوبرسفيلد" تبني شعرية العرض على هذا الجانب.

إن الفضاء المسرحي بكل تشعباته "معطى للقراءة الفورية للنص المسرحي" حيث إن الفضاء المادي هو المرجع (المزدوج) للنص المسرحي" . والفضاء جزء من النص المسرحي، وشعرية هذا الأخير شعرية للفضاء، وذلك باعتبار "الفضاء المسرحي مكان مسرحي يجب بناؤه وبدونه لا يجد النص مكانا ولا صيغة ملموسة لوجوده". 

تفسر آن أوبرسفيلد القول في علائق النص و كيفية ترجمته: 

أ- إشارات للأماكن، تكون محددة ومنفصلة بقدر ما وفقا للنصوص المسرحية. 

ب- أسماء الشخصيات... وفي الوقت نفسه صيغة استثمار الفضاء (عدد، طبيعة، وظيفة الشخصيات.) 

ج- الإرشادات الخاصة بالإيماءات أو بالحركات...

وتستدرك بإمكانية استخلاص الفضاء من الحوار "من الممكن أن ينبع الفضاء من الحوار. معظم الإرشادات المسرحية عند شكسبير مستقاة من الحوار بطريقة الاستنباط" وبواسطة ما أشارت إليه آن أوبرسفيلد "فعلى المخرج أن يشجع ظهور كل التيارات المتعارضة الكامنة وراء النص" بالإضافة إلى السينوغرافي والممثل وكل التقنيين، فتتحول الصورة الشعرية اللغوية إلى صورة شعرية غير لغوية تكون غالبا مادية (الديكور – التمثيل- الإكسسوار...).

وعموما، تعد شعرية الخطاب المسرحي، بؤرة للعديد من الاختلافات؛ لأنها تجمع بين الفرجوي والأدبي، مما يجعل من تحديدها أمرا عسيرا إلا أن بعض الدراسات الحديثة وخصوصا المتعلقة بالميتامسرح جاءت لتسائل الإبداع المسرحي انطلاقا من تجربة قديمة حديثة وهي المسرح داخل لمسرح. هذا بالإضافة إلى المناهج النقدية التي أصبحت تراعي خصوصية المسرح (فرجة)، و لعل أبرزها السيميولوجيا وجماليات التلقي عند باتريس بافيس الذي استفاد من أعمال "ايزر" و"ياوس" بالإضافة إلى "آن أوبرسفيلد" التي تعتبر من أوائل الذين اهتموا بالمسرح، انطلاقا من ثنائية النص/العرض. ويعود لها الفضل في عقد قران النص والعرض فكان الاحتفال احتفاء بشعرية المسرح.

الهوامش:

1- أحمد زكي، "عبقرية الإخراج المسرحي، المدارس والمناهج"، (مرجع سابق)، ص 244.

2- جيمس روس إيفانس، ترجمة: فاروق عبد القادر: "المسرح التجريبي من ستانسلافسكي إلى اليوم"، منشورات دار الفكر المعاصر، ط1، 1979، ص27.

3- جيمس روس إيفانس، ترجمة فاروق عبد القادر: "المسرح التجريبي من ستانسلافسكي إلى اليوم"، ص 29.

4- حمادة إبراهيم: "التقنية في المسرح"، مكتبة الأنكلو المصرية، 1987، ص73.

5- حسن يوسف ومجموعة من الكتاب. الخشبة، "اللوحة إشكاليات وتصورات"، ص 13.

6- عواد علي، "غواية المتخيل المسرحي"، المركز الثقافي العربي، ط1، 1967، ص 20.

7- جوليا هيلتون وأخرون ترجمة امين الرباط: "سامح فكري اتجاهات جديدة في المسرح"، أكاديمية الفنون، دط، دت، ص39.

8- جوليا هيلتون وأخرون: "اتجاهات جديدة في المسرح"، (مرجع سابق)، ص 64

9- نفسه)، ص 84.

10- رينيه ويليك أوستن وارين ترجمة محي الدين صبحي: "نظرية الأدبية"، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1987، ص 240 

11- آن أوبر سفيلد، "قراءة المسرح"، (مرجع سابق)، ص 170.

12- بيتر بروك: "النقطة المتحولة أربعون عاما في استكشاف المسرح"، عالم المعرفة ع154، ص 124.

13- آن أوبر سفيلد: "قراءة المسرح". ترجمة مي التلمساني، مركز اللغات والترجمة أكاديمية الفنون، دط، دت، ص 177.

14- آن أوبر سفيلد: "قراءة المسرح"، (مرجع سابق)، ص 177.

15- نفسه.

16- بيتر بروك: "النقطة المتحولة"، (مرجع سابق)، ص 36.

رأيك في الموضوع

على صواب

  • لا تسبوا الفايسبوك
    أصبح من قبيل التبرم والتعبير عن "الاستقلال" الذاتي عن إمبراطورية الهوس بشبكات…

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012