الإثنين, 04 كانون1/ديسمبر 2017 09:08

من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافات الفرجة

كتبه  د. هشام بن الهاشمي
  • عن منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، صدرت الترجمة العربية لكتاب المفكرة الألمانية إريكا فيشر ليشته، والموسوم بـ: "من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافات الفرجة"، من إنجاز وتقديم خالد أمين. يهدف الكتاب إلى إعادة التفكير في مسرح المثاقفة، وتقديم أبرز ثمرات الأبحاث الخاصة بموضوع "تناسج ثقافات الفرجة" الذي انكب على دراسته المعهد الدولي لتناسج ثقافات الفرجة التابع للجامعة الحرة لبرلين، خاصة وأن خالد أمين هو عضو الهيئة الاستشارية لهذا المعهد وأحد الباحثين الذين ساهموا في عمق النقاش الخاص بسؤال المثاقفة وبناء الهوية، وعلاقة الشرق والغرب، وأهداف التبادلات المسرحية بين مختلف الثقافات،.....وضمن هذا السياق يندرج هذا الكتاب الذي يقدم رؤى اريكا فيشر ليشته وتصوراتها حول ما اصطلح على تسميته بـ: "حرب مسرح المثاقفة". وهو المشروع الذي التأم حوله باحثون من بلدان مختلفة من قبيل: هومي بابا، ورستم باروتشا، ومارفن كارسلن، وخالد أمين، وربيع مروة ... وغيرهم.

استهل خالد أمين الكتاب بتصدير هام أظهر من خلاله أهمية المشروع البحثي والتنظيري لاريكا فيشر. فهي من الأصوات المؤثرة في حقل الدراسات الفرجوية على المستوى الدولي، وتمتلك القدرة على التركيب بين الأفكار والنظريات المتنافرة والمتنابذة وصهرها في بوثقة واحدة منسجمة ترفض الانشطار، علاوة على مساهمتها الفاعلة والوازنة في النقاش المرتبط بتحولات الفرجة ومسرح المثاقفة....

كما قدم خالد أمين ـ من خلال مقدمة الكتابـ المداخل الممكنة للاقتراب من اشكاليات المثاقفة والتناسج كما تتصورهما المفكرة الالمانية اريكا فيشر في كتاباتها. فبعد الوقوف عند الشحنة الدلالية لمصطلح المثاقفة، بوصفها تفاعلا بين الثقافات وسعيا نحو الانفتاح دون انصهار وابراز الذات دون انغلاق، أكد خالد أمين أن الفن المسرحي لا يعيش إلا في اطار الحوار الفني والتلاقح الثقافي بين الشعوب، وأي تصور انطوائي سيحكم عليه بالموت والانتحار البطيء.

تكمن أهمية درس اريكا فيشر ـ من منظور خالد أمين ـ في إيمانها العميق بأن المسرح متأرجح بين الأنا والآخر، والهوية والاختلاف، وتمتزج فيه الأزمنة المختلفة. واعتبر أن انتشار الثقافات الفرجوية، خاصة تلك التي تتحرك من الشرق صوب الغرب، تسهم في تحرير المجال الثقافي الغربي من الاستعلاء الهوياتي وتقويض التمركز الغربي، وفي هذا السياق اضطلع البحث المسرحي ما بعد الكولونيالي بالتأريخ للمسرح الغربي بعيدا عن الرؤى الغربية المتمركزة حول ذاتها.

فما بعد الكولونيالية تعبير عن الذات دون تأسيس تمركز معكوس يحتفي بالعرق واللغة والقومية، لأن تعظيم الهوية يؤدي الى الهاوية ولا ينتج سوى التناحر والتنافر والصراع بين العوالم. إن التناسج الذي تناصره اريكا فيشر يقوض صراع الحضارات لتحقيق توازن المصالح في صناعات الفرجة المنتمية الى جميع الجغرافيات الثقافية من دون الغاء اختلافاتها. وهنا استلهم خالد أمين مقولة محمد عابد الجابري الخاصة بـ "صراع المصالح" لتقويض مقولة صراع الحضارات. فرغم تحكم الغرب في دول الجنوب ظل الصراع صراع مصالح وليس صدام حضارات،. إذ بدل ثقافة اللوم تبزغ ثقافة الاعتراف بالفكر الاوربي المتنور لدوره البارز في مناهضة الهيمنة الامبريالية، وهو ما يشي بالتحالف المعلن تارة والمضمر تارة أخرى بين دراسات التابع والغرب اليساري الديموقراطي لتشكيل جبهة موحدة ضد الاستعلاء.

كما يبرز التقديم الدور النقدي البارز الذي اضطلع به خالد أمين، وذلك حين أضاء أبعاد العلاقة بين الشرق والغرب ارتباطا بمسرحنا العربي ومسرح الغرب، إذ يعتبر أن الحراك المسرحي العربي يحفز على النظر الى الفضاء الثالث الذي يطبع الممارسة المسرحية حيث تتناسج الثقافات الشرقية والغربية. فالمسرح في جوهره حوار ثقافي، إذ ليس ثمة ذات فنية صافية، ونقية، وغير مخترقة بحكم حوار الحضارات وتلاقح الثقافات. فلا حركة التأصيل في المسرح العربي، ولا النموذج المسرحي الغربي الذي يضفي على ممارساته الفرجوية طابع الكونية، بقادران على حجب الثقافات والشعوب بعضها عن بعض. فالتشبث بالهوية والخصوصية المحلية لا ينبغي أن يفضي الى التقوقع والانكفاء الذاتي والانغلاق، لأن هذا الخيار تكرار للنموذج الاستشراقي الذي يعتمد على إنتاج ذات الثنائيات الموهومة والتقسيمات التراتبية التي يستحيل معها تصور واقع إنساني في ذاته ولذاته دون تعال.
ولذلك، اعتبر خالد أمين أنمن عوائق الثقافة العربية ارتباطها بالماضي، مستحضرا صرخة عبد الله العروي المدوية: "مخيف هذا التعلق بالماضي"، وهي صرخة تروم التوجه نحو المستقبل بدل تحنيطه. ومن هنا، فخالد أمين لا يرفض التراث والنهل من ينابيعه لكنهيطالب بتجديد النظر إليه حتى يتكيف مع السياق الجديد والراهن.

بناء على ذلك، يرى خالد أمين أن تناسج الثقافات الفرجوية المتنوعة قد أنتج هجنة مسرحية، كما هو الحال بالنسبة لمسرح عز الدين المدني حين وصل بين الماضي والحاضر والمستقبل في "ديوان الزنج" بعيدا عن الاختلاف الوحشي، عبر إضفاء الراهنية على الحدث التاريخي. فقد نزع المدني رداء الماضي عن العناصر المستوحاة من التراث، لتعوض برداء المعاصرة، وتعبر عن قضايا الإنسان العربي، وانشغالاته، وهمومه. أي أنه رفع التراث التاريخي إلى مستوى حداثة الرؤية التي تنزع عن التاريخ طابع النسبية. فهو لا تهمه "ثورة الزنج" في حد ذاتها، وإنما قدرتها الإيحائية في التعبير عن الحاضر والمستقبل.

وفي السياق ذاته، شكل تعامل الصديقي مع الحلقة وتوظيف مختلف آليات اشتغالها، ونقلها إلى البناية المسرحية بداية التناسج الفني الخلاق في مسرح مغربي لم يعد تقليدا للمسرح الغربي ولا شكلا ما قبل مسرحيا، وإنما متموقع في مفترق الطرق يمزج بين الأنا والآخر، والشرق والغرب، والتقليد والحداثة، والثقافة الشعبية والثقافة العالمة. فإعادة الاعتبار للتقاليد الفرجوية لا يشير إلى الإعلاء من شأن الخصوصية الذاتية، والإغراق في المحلية، والتشبث بوهم الهوية الفنية الخالصة.

وفي الجزائر شكل مسرح عبد القادر علولة نموذج الوفاق، والتقارب، والحوار بين الثقافات والفنون، إذ ساهم في رسم ملامح مسرح أساسه تحرير الهوية الفنية من كل أسوار مقيدة بحدود ثقافية ضيقة لا تتمسك بخصوصية محلية تؤسس الصراع، والتوتر، والانقسام. فالخصوصية لدى عبد القادر علولة لا تعني الانعزال والانطواء، وإنما الانفتاح على الانجازات الفنية الغربية. ثم يوسف عيدابي من السودان انطلاقا من دعوته الى سودان واحد يتسع للزنوجة والعروبة في تناسج مثمر وخلاق، بعيدا عن المحددات العرقية والاثنية، وهو ما يؤكد أن التناسج لا يقتصر على انصهار تقنيات صناعة الفرجة المنتمية الى ثقافات مختلفة، بل يرتبط أيضا بالثقافة التي تتسم بتنوع تقاليدها الفرجوية.

يخلص خالد أمين، الى أن العديد من رواد المسرح العربي قد نهلوا من معين الذاكرة الفرجوية، ومتحوا من التراث آليات اشتغالهم، بيد أن هذا التوجه لا يشكل دعوة تسعى إلى الاغتراب في الماضي، وتضع أسوارا حديدية وحواجز فولاذية بيننا وبين ثقافات الآخرين، بل رغبة ملحة في إبداع فضاء قادر على نقش التشارك الإنساني والتناسج الثقافي.

يعتبر خالد أمين أن إدراك رؤى المفكرة الالمانية اريكا فيشر يستلزم الاشارة الى رحلة المسرحيين الغربيين الى الشرق خلال النصف الثاني من القرن العشرين، في اطار "مسرح المثاقفة" الذي حظي بنقاشات حادة داخل أوساط "الفيدرالية الدولية للبحث المسرحي. فقد تعرضت معظم النماذج الغربية المؤطرة في سياق "مسرح المثاقفة" الى النقد، مما استدعى خضوعه للمراجعة النقدية التي استوجبت الانتقال إلى مشروع بديل، ويتعلق الأمر بـ: "تناسج ثقافات الفرجة". وهكذا يلاحظ خالد أمين أن مشروع اريكا فيشر يفتح آفاقا جديدة للبحث والتأمل.

يتضمن كتاب اريكا فيشر "من مسرح المثاقفة الى تناسج ثقافات الفرجة" ثلاثة فصول، تمتلك صلابتها من كونها تدرج في إطار أطروحة واضحة المعالم، وهي تحديد دواعي الانتقال من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافات الفرجة. وهو وعي نلمسه من خلال الهندسة المقترحة للكتاب، والمؤسسة على محاور يعضد بعضها بعضا بطريقة يشكل معها الكتاب كلا لا يتجزأ.

فالفصل الاول المعنون بـ:"مسرح المثاقفة"، اشتمل على ثلاثة محاور أساسية وهي:

ـ المسرح بين المتشابه والمختلف: نزعة المثاقفة في المسرح المعاصر.

ـ مسرح الغريب كأفق للتحول الثقافي.

ـ بحثا عن مسرح جديد: اعادة المسرحة بوصفها تلقيا منتجا لمسرح شرق آسيا.

فقد تسارعت أشكال المثاقفة المسرحية ابتداء من سبعينات القرن الماضي. وتعزو اريكا فيشر الأمر الى تطور وسائل الاعلام والمهرجانات المسرحية الدولية. فقدا نفتح المسرح الغربي على رحابة الاساليب المسرحية الشرقية، والشرق نفسه مزج تقاليده الفنية مع تلك الغربية الوافدة.

ركزت اريكا فيشر اهتمامها على النصف الأول من القرن العشرين التي تعتبرها فترة مؤسسة في تطور المسرح، فقد نهل كل من ادوارد كوردن كريك، وتايروف، ومايرهولد، وجاك كوبو، وبريشت، وماكس رينهارت...... من المسرح الشرقي. وكان من ثمار هذا الانفتاح: "دحض كل ما هو أدبي وواقعي نفسي في مسرح الوهم. ومما أثر بشكل مباشر في وضعية النص الأدبي واللغة الدرامية، وفن الأداء، وكذا تصور الفضاء المسرحي، وجودة الجمهور، وإدراكه أثناء سيرورة العرض المسرحي.."1. وبالمقابل آمن دعاة المسرح الجديد في الشرق (اليابان مثلا) بأن الأشكال المسرحية التقليدية من قبيل: النو والكابوكي، أضحت بائدة وتقليدية وعاجزة على مواكبة هموم وقضايا المجتمع الياباني الحديث. وهكذا، تخلص اريكا فيشر إلى أن المثاقفة المسرحية تروم تحقيق أهداف محددة بدقة حسب متطلبات السياق والثقافة. وهي إما أهداف جمالية أو مرامي اجتماعية أو هما معا.

لكن حين يسعى مسرح المثاقفة الى ترسيخ مسرح كونيكما هو الحال بالنسبة لبروك، فإنه في هذه الحالة لا يهتم بالهويات الثقافية لأنه يولي اهتماما بالغابـ: "التجانس الانساني في كليته بعيدا عن الاختلافات المحددة من قبل الثقافة الخاصة"2. وهنا تتساءل اريكا فيشر: هل الكونية هي إحدى سبل مقاومة الامبريالية الثقافية؟ أم هي على العكس من ذلك، هي فرصة ذهبية لأحياء الامبريالية الثقافية والاستغلال الثقافي؟.

تجيب اريكا فيشر: "بينما نجد الأفراد الذين ينتمون الى الثقافة الغربية غير مبالين لما قد تتعرض له تقاليدهم (موسيقى رقص) في مسارح الثقافات الاخرى، في حين تقاوم النخبة المثقفة المنتمية لما يسمى بالعالم الثالث ذلك الاستغلال الثقافي"3.وهذا يعني أن المسرح الغربي قد نهل من الفرجة الشرقية ومتح من مخزونها الثري دون مضاضة، ودون أن يعتبرها ثقافة لا تناسبه، فلم يهتم بأنه مستلب أو غير طبيعي، لأن أوروبا تجاوزت الرؤية المرضية للخصوصية، فكان الوعي بالهوية نقديا وذا أفق إنساني لأن الخصوصية لا تعني بالضرورة الانغلاق على الذات، ولا نفي الآخر، ولا الإحجام عن التفاعل. بيد أن إضفاء طابع العالمية وسمة الكونية على النموذج المسرحي الغربي لم يكن عملا نزيها وبريئا وخاليا من أي غرض، بل هو دعم للرؤية الغربية المتمركزة على ذاتها، وإقرار بالنزعة الامبريالية الراغبة في بسط السيطرة الثقافية. ولذلك تخلص اريكا فيشر الى القول: "إن المثاقفة المسرحية أيضا لها جانب سياسي لا ينبغي تجاهله، وهو مرتبط بالعلاقات السلطوية بين الثقافات"4.

تعتبر اريكا فيشر أن المثاقفة المسرحية تضطلع بدور جمالي حين تروم التوظيف الفني والتصنيع الاستيتيقي للتقاليد المسرحية. وتستدل اريكا فيشر بمثالين:

ـ ففي فرنسا جنحت منوشكين الى إعادة احياء التراث الشكسبيري، عبر توظيف علامات تستمد أصولها من المسرح الياباني من أقنعة، ولباس، وموسيقى.... فانصهرت هذه العناصر مع الوافدة مع نسق منوشكين الملحمي الشعبي، لخلق فرجة يتعالق فيها الجمال بالسياسي بشكل يدهش الجمهور المتعطش لمسرح مغاير.

ـ أما في الصين فقد هدفت فرقة "سيشوان الأوبرالية" الى فحص الوضع الاجتماعي داخل جمهورية الصين الشعبية. وهو ما استوجب الانفتاح على النص البريشتي "الشخص الطيب من سيشوان". بمعنى أوضح: لقد أمن النص البريشتي الوافد مهمة تأمين الدلالة الاجتماعية والموضوعية للعرض استنادا الى الشكل الأوبرالي التقليدي. وبذلك استنتجت اريكا أن "التوسل بالأشكال المسرحية الغربية يهدف ـ قبل كل شيءـ إلى تغيير الأشكال المسرحية الخاصة وجعلها قادرة لحل مشاكلها. لقد برزت الحاجة للمثاقفة المسرحية، ليس بهدف الانفتاح على ثقافة مسرحية أخرى فحسب، ولكن لحل مشاكل كامنة في تخوم المسرح الخاص. كما أن شبكة العلائق التي تنسجها فرجة المثاقفة بين المسرح الخاص والثقافة الخاصة والتقاليد المسرحية والثقافة الأجنبية يهيمن عليها "الخاص" بنا"5.

تصطلح اريكا فيشر على عملية تبني التقاليد الفرجوية الوافدة بالتلقي المنتج، إذ حين تنتقل التقاليد المسرحية من سياق الى سياق، فإنها في مسافة الرحلة تفقد عناصر جوهرية وتكتسب أخرى حتى تتناسب مع حاجيات السياق الجديد والحاضن. ففرجة المثاقفة في سعيها نحو التلقي المنتج تخضع العناصر المسرحية الى تغيير جذري بهدف توسيع الامكانيات التعبيرية أو إحداث شكل مسرحي جديد. فحين تتم استعارة التقنيات المسرحية، فإنها تخضع للتحوير وفق المستجدات الطارئة، وتبعا لتأويل المتلقي واجتهاده. أي أنها لا تستقر كما يراد لها أحيانا، أي بوصفها ناقلة أمينة لما صيغت له في موطنها الأصلي وإنما يعتريها تحول عميق. فإذا كانت كل ثقافة تختزن قيم راسخة، فإن إمكانية تأويلها واستيعابها تبقى متاحة شريطة العقل المتفتح. فلا شيء يمنع من التلاحم المنتج للتبادل المعرفي والحوار الفني، ومن ثم تجاوز النزعة المحلية ذات الأفق المحدود.

حددت اريكا فيشر نتائج التلقي المنتج لعناصر من ثقافات أجنبية في إعادة المسرحة، اذ اتجه المسرح الطليعي الى تقاليد عديدة منها المسرح الاغريقي والتقاليد الشعبية للقرنين السادس عشر والسابع عشر (كوميديا ديلارتي) والتقاليد الفرجوية الشعبية (مسرح الدمى والسيرك...) وتقاليد الشرق الاقصى (النو والكابوكي في اليابان والاوبرا الصينية والكتاكالي الهندي). ويعزى الاهتمام بهذه التقاليد لكونها تقوم على أساس التواصل الحي بين المؤدين والجمهور استنادا الى الموسيقى واللباس... بعيدا عن قيود النص الذي كبل المسرح الغربي لقرون. ثم إعادة ترتيب العلاقة بين الخشبة والجمهور، كما هو الحال بالنسبة لـ"مايرخولد" من خلال تثويره لقوانين مسرحية جديدة تنزاح عن التلقي السلبي مستفيدا من المسرح الياباني، فقد آمن بأن أكبر عقبة تحول دون مسرحة المسرح هي القطيعة بين الخشبة والصالة. ولذلك سعى الى تحديد علاقة جديدة بين الخشبة والصالة.

أما الفصل الثاني الموسوم بـ: "تناسج ثقافات الفرجة"، فتضمن المحاور التالية:

ـ تناسج الثقافات داخل الفرجة: حالات مختلفة للوجود البيني.

ـ تناسج ثقافات الفرجة: نحو إعادة التفكير في "مسر ح المثاقفة".

وفيه تعتبر اريكا فيشر أن تداخل الثقافات داخل الفرجة ممارسة شائعة، لأن العروض تسافر من بلد الى آخر، ومن قارة الى أخرى، ومن مهرجان دولي الى آخر. وأثناء عملية الارتحال تكتسب الفرجة بعدا جماليا جديدا، إذ تخضع للتغيير حسب متطلبات السياق الجديد والحاضن الى الحد الذي يصعب معه تحديد منبع الفرجة وانتماءها الهوياتي.

فقد ساهمت العقود الأولى من القرن العشرين في عملية التناسج وتحديث المسرح، بينما أضحت في ما بعد تتسم بـ"المابينية" التي تسم الفرجات. وتستدل اريكا فيشر على ذلك بعرض "الملك لير" للمخرج السنغافوري "اون كين سون" تقول في هذا السياق:" تم استثمار وضع المابينية في عرض "لير" التي تؤثر على كل مشارك: سواء أكانوا مؤدين ام جمهورا، من خلال توظيف عناصر محلية وكونية، حيث اعتمدت اساليب أدائية محلية بشكل مكثف على الرغم من أنها قدمت لجماهير مختلفة تماما من كل أنحاء العالم."6. فقد حقق العرض مصالحة بين ثلاثة تقاليد فرجوية مختلفة هي: "النو الياباني"، و"أوبرا بكين"، والرقص التايلاندي، إضافة الى النص الشكسبيري الذي خضع لتغيير الجدري. وبذلك تخلص اريكا فيشر الى أن العرض شكل: "حالة من المابينية، أو فضاء ثالثا (بالاعتماد على هومي بابا)، ناتج عن تناسج الثقافات، حتى أن الجمهور لم يتمكن من التماهي المطلق مع أسلوب فرجوي محدد، وذلك راجع الى إلى تشابك مجموعة من الأنماط"7.

تعتبر اريكا فيشر أننا لا نعدم التبادلات الرمزية بين الثقافات، فتفاعل عناصر فنية تنتمي الى ممارسات مسرحية مغايرة لم يتوقف يوما، لأنه وسيلة للتجديد والتغيير. فالثقافات التي لا تنفتح تموت، اذ تعجز عن تجديد عطائها. فقد تفاعل المسرح الياباني بالصيني، كما مزج موليير في فرنسا بين تقاليد المهزلة الفرنسية (الفارس) وكوميديا ديلارتي. بيد أن هذا التفاعل انحصر على الثقافات المتجاورة التي تجمع بينها عدة قواسم مشتركة. لكن إذا كانت الأفكار والفنون تخضع للتغيّر، ضمن سياق حضاري يفترض فيه التجانس كالسياق الحضاري الغربي، فمن البديهي أن تكون حدة التغير أكثر وضوحا، حين يتم الانتقال من سياق حضاري إلى سياق آخر مختلف تماما، وهو ما تحقق مع بداية القرن العشرين حين أضحى التفاعل يتسم بمذاق مغاير ونكهة خاصة، إذ غدا يتم بين ثقافات تنمي الى أفضية نائية وعوالم بعيدة (تفاعل المسافات الطويلة).ويتناسب هذا التغيّر مع جذرية الاختلاف الحضاري والثقافي بين البيئتين، أي بيئة المنشأ وبيئة التلقي والتوظيف، إذ تمتزج الدلالة الأصلية بدلالة جديدة، مستمدة من السياق الثقافي الجديد والمغاير.

وبوعي نقدي متفجر ولا مهادن، تعتبر اريكا أن هذا التفاعل يضمر الاستعلاء الهوياتي الغربي وتفوقه المزعوم عبر دعم جنون العظمة الغربية، إذ يشير مصطلح مسرح المثاقفة إلى: "انصهار أشياء غربية وغير غربية، وليس انصهار عناصر من تقاليد امريكا اللاتينية أو افريقيا أو الثقافات الاسيوية المختلفة"8. وبذلك افتقد مسرح المثاقفة إلى الندية بين الثقافات، ومن ثم تكريس تراتبية موهومة وتقسيمات تراتبية قوامها الغرب المتفوق والشرق الدوني. فالجمع بين العناصر الفنية المستوحاة من ثقافات مغايرة لا يكفي مادام يحافظ على التقاطبات الثنائية، أي أن مسرح المثاقفة يبقي "شرجا حادا بين ثقافة الأنا وثقافة الآخر". في حين أن التناسج يؤمن بأن "الثقافات تخضع باستمرار إلى عمليات التغيير والتبادل التي قد يصعب فصل كل عناصرها عن بعضها البعض"9.

ومن الإشكاليات الأخرى التي ينتجها توظيف "مسرح المثاقفة" كما حددتها اريكا فيشر:

ـ إشكالية الملكية: فحين يتم اعتماد نص مسرحي غربي من قبل عرض غير أوربي، فإن الثقافة الغربية هنا تدعم هيمنتها من جهة، وتشي بأن الغربيين يمتلكون القدرة والحق على توصيل دلالاته الأصلية من جهة ثانية، أي أنهم يدعمون تفوقهم وهيمنتهم. ولذلك "فإن تسمية أي عرض يعتمد على نص غربي بـ "مسرح بين ثقافات" يعتبر في حد ذاته فعلا سياسيا تغذيه مصالح وتطلعات الهيمنة الغربية"10.

ـ كونية النص الغربي: فحين يستند العرض المندرج في سياق مسرح المثاقفة على النص الغربي، فإنه يدعم كونية الثقافة الغربية. ولذلك يصبح من حق النقاد الغربيين إثارة القضايا المرتبطة أساسا بقصور ما أو سوء فهم في العروض المقدمة وسندهم في ذلك قدرتهم العميقة والسلطوية.

ـ اعتبار النص العنصر الأساسي للعرض المسرحي، لتصبح وظيفة هذا الأخير هو تجسيد النص ركحيا، والتعبير عن شحنته الدلالية، ونقل القيم الكونية التي يختزنها النص الغربي. وهنا غالبا ما يتم إغفال قدرة المبدع على تكييف النص حسب السياقات الثقافية المختلفة من جهة، واللغة المسرحية الشاملة التي لا يعد النص سوى جزءا يسيرا منها من جهة ثانية.

ومن هنا، تؤكد المفكرة اريكا فيشر أنه رغم تركيز ممثلو مسرح المثاقفة على الابعاد الجمالية، فإنه يصعب بل يتعذر التمييز بين الجمالي والسياسي. وهو ما أكدته الانجازات اللماحة لنظرية ما بعد الاستعمار.

لقد أعادت اريكا فيشر النظر في مسرح المثاقفة لسببين صاغتهما على شكل فرضتين:

الأولى: تتمثل في إيحاء مسرح المثاقفة بإمكانية فصل كل عنصر عن الآخر، ومن ثم إبراز أصوله الثقافية، مما يفضي إلى بزوغ رؤى تعتد بالنقاء الثقافي.

والثانية: تتجسد في إشارة مسرح مثاقفة إلى نقل العناصر غير الغربية إلى المسرح الغربي. فالاهتمام هنا ينصب على المستورد بهدف نقله من حالة الخرس إلى حالة النطق، ومن وضع المضمر إلى وضع المعلن. وذلك في إطار مسار التحديث الذي يوازي التغريب أو التأوب..

ومن هنا، أبعدت اريكا فيشر حتى مفهوم الهجنة وآثرت التناسج الفرجوي الذي يشير إلى التشابك المعقد الذي يتعذر معه التمييز بين ما هو ملك لنا وما هو ملك لغيرنا من جهة، ويتيح الاهتمام بالاختلاف الثقافي بدل التعدد الثقافي، ويؤسس للفضاء الثالث أي الفضاء البيني.لقد أدركت إريكا فيشر أن المثاقفة لا تشير إلى التلاقي والتقارب بين العوالم، بل تضمنت رؤية غربية جوهرها الاستعلاء الثقافي، وذلك حين تقدم ثقافة ما نفسها بوصفها الإطار المرجعي الذي تقاس به الثقافات ولا ترى في اختلاف غيرها عنها سوى مجافاة التقدم والرقي والحداثة. فقد اتسعت مساحات المركزية الغربية مع مسرح المثاقفة بشكل أضحى معه الغرب متفوقا ضمنيا، وكأن لسان حال رجال مسرح المثاقفة يقول: "لا تعتقد أنه بإمكانك فك الارتباط بنا؟ وإن فعلت فسوف نتركك في مكانك. لا خيار لك غير اعتماد عناصر من مسرحنا، حينها سنعترف بك".

تشير اريكا فيشر الى اتسام مصطلح التناسج بالمرونة، لأنه قابل للتطور حسب أشواط البحث والاشتغال حتى يتبلور في شكل مفهوم اجرائي واضح. بيد أنها كشفت عن معالمه الكبرى المؤطرة لاشتغاله، فعبر التناسج تمزج العناصر الفنية لتشكل عرضا فنيا كما تلتئم الخيوط الحريرية لتشكل ضفائر وخيوط دون إمكانية الفصل بين مكونات الإنتاج أو إحالة مواده الأساسية الى أصله. وبذلك يغذو التناسج من هذه الزاوية صناعة جمالية بامتياز ذات قدرة تحويلية هائلة.

ورغبة في تحديد جوهر التناسج وتمظهراته، رامت اريكا فيشر الى تعداد أهدافه والمبادئ الكبرى التي يستند اليها، و ذلك على النحو التالي:

ـ يراعي "التناسج" مبدأ التغيير وناموس السيرورة الذي يميز الثقافة. مما يفرز الاختلاف ليس بوصفه نوافي وأضداد، وإنما وفق مبدأ الترابط الذي يميز الضفائر المنسوجة.

ـ يضمر "التناسج" امكانية التعايش بين الفرجات والثقافات لخلق حالة "المابينية" التي تغدو فيها تقنيات صناعة الفرجة في حالة سفر دائم وترحال مستمر.

ـ يتيح التناسج تقويض أوهام الخالص والأصيل، ذلك أن الوضع البينييجعل الهوية الفنية تفعم وتشق بما هو قادم من جغرافيات الآخر.

ـ لا ينغلق التناسج داخل بنية مغلقة، إذ يولي عناية خاصة بفحص البعد الاجتماعي والسياسي اللذان يتجاوزان العرض أحيانا.

ـ يستشرف "التناسج" أفقا مغايرا للتفكير ينزاح عن الثنائيات الموهومة والتقسيمات التراتبية، كما يتجاوز الانغلاق والانطواء والتقوقع داخل إطار الهويات العمياء.

ـ نقديا، يفترض تعامل البحوث الأكاديمية بنوع من الحيطة والحذر، حتى لا تسقط في متاهة الحنين الى الماضي والتعصب القاتل فـ"أي بحث يندرج ضمن مشروع التناسج، يجب أن يتوخى الحذر من الانزلاق في متاهة إعادة بعث الأشكال القديمة أو الجديدة من العنصرية وفلكرة الآخر"11. وفي السياق نفسه التعامل بحذر مع الفرجات المعاصرة عبر التمييز بين تلك التي استطاعت تحقيق فعل التناسج بشروطه التحويلية، وتلك التي فشلت في هذه الغاية فأعادت إنتاج حمق السلطة وجنون العظمة.

ـ لا يتقوقع التقعيد لـ"تناسج ثقافات الفرجة" داخل إطار نقدي واحد يتحكم في مساره ويحكم اشتغاله (تنظيرات ما بعد الاستعمار)، بل ينفتح على تصورات نقدية أخرى تشاركه الهدف نفسه، كما هو الحال بالنسبة للنقد المزدوج. وهنا تشيد اريكا فيشر بالدور النقدي الهام الذي اضطلع به خالد امين في تخصيب النظر الى تناسج ثقافات الفرجة، وذلك حين استند الى النقد المزدوج لعبد الكبير الخطيبي وطوعه تصوراته السوسيولوجية حول العالم العربي حتى تتوافق مع مراميه وأغراضه النقدية. فقد أتاح النقد المزدوج الباحث المغربي خالد أمين: "مساءلة الخطابات الملتبسة حول الفرجة التي تتداول للتكلم باسم العالم العربي، بينما هي في العمق متجذرة في التمركز الاوربي، ومن جهة ثانية، التأمل في "خطابات الحنين" وكيف ينظر بعض الممارسين المسرحيين العرب لثقافاتهم الفرجوية"12. وهو ما مكنه من تشييد تصور إنساني للفن المسرحي يتجاوز الثنائيات الموهومة والتقسيمات التراتبية، إذ لا تتحدد مهمة النقد المزدوج في تفكيك الهيمنة التي تتشبث بالأصالة والمطلق والهوية والحقيقة، بل تتجاوز ذلك الى خلق حوار خصب ومثمر بين العوالم.

ـ ربط قضايا "تناسج ثقافات الفرجة" بالنقاش الدائر حول العولمة لمواجهة الهيمنة الثقافية.

ـ تنزاح دراسات التناسج عن القطبية: (الغرب مقابل بقية العالم)، إذ حين يتم عرض مسرحي غربي بأسلوب تقليدي يستمد من عوالم النو، والكابوكي، والكاطاكالي، فإننا هنا إزاء انصهار ثقافات فرجوية، وتصطلح اريكا على هذا النوع من التناسج بـ"الجماليات التحويلية" ذات التأثير البالغ من جهة على المؤدين لما تتطلبه من أداء جسدي متقن، وعلى الجمهور من جهة ثانية عبر نقله الى حالة من البنية لتوليد أكبر انفتاح ممكن.

أما في الفصل الثالث المعنون بـ: "حوار المثاقفة المسرحية"، فنلفي حوارا شيقا بأبعاد ثقافية تشي بدور الباحث الهندي رستم باروتشا والباحث المغربي خالد أمين في تعميق النقاش الدولي حول مسرح المثاقفة. ففي حوار رستم بروتشا وايريكا فيشر، نقف عند الجدل المثمر بينهما حول اشكالية تسمية المعهد الدولي التابع لجامعة برلين بتناسج ثقافات الفرجة.

فاذا كانت اريكا فيشر تقترح "التناسج" بوصفه مفهوما غير مشحون بحمولات تاريخية تختزن الهيمنة والاستعلاء والفوقية، خاصة وأن التناسج لا يقتصر على الانتاجات الفنية التي توظف تقنيات صناعة الفرجة المنتمية لثقافات مغايرة ومختلفة، بل يتمتع بالقدرة على الاستعمال والتداول أيضا ضمن ثقافة معينة تمتاز بتنوع تقاليدها الفرجوية، فإن رستم باروتشا ـ رغم اقراره بالشحنات السلبية لمسرح المثاقفةـ يرى من الصعب الجزم بأن باختيار تسمية التناسج ستزول الصور النمطية والفوقية والتمركز الغربي حول الذات، بل قد تفرز التسمية مشاكل جديدة.ولذلك يرى أن الترسانة المفاهيمية تنبع من سيرورة العمل وأشواط الاشتغال. علاوة على امتعاضه من إضفاء الطابع المؤسساتي على "التناسج"،لأنه في جوهره أسلوب عمل ونشاط ثقافي وليس مؤسسة.

وانطلاقا من الحوار الحاد في عمقه بين باروتشا واريكا فيشر، نقف أيضا عند أهم المحطات التاريخية لمشروع اريكا فيشر. فقد ابتدأ اشتغالها على "مسرح المثاقفة" منذ الثمانينات وكان من ثمار ذلك إصدار كتابها: "اللمسة الدرامية للاختلاف" الذي تغنت فيه بـ: "التعددية الثقافية" ثم تجاوزتها نحو "التناسج" الذي لا تضفي عليه اريكا فيشر طابعا أرثوذكسيا جامدا أو سمة سكونية، إذ تعتبر أن المشاريع البحثية تخضع دوما للتغيير والتبدل. تقول في هذا السياق: "أعتقد أن التناسج يخدم الغرض المنشود. وإذا تبين لنا بعد سنتين أو ثلاثة أن اسما مختلفا قد يكون مناسبا أكثر فسنقوم بتغييره"13.

وفي حوار اريكا فيشر ليشته وخالد أمين، نتبين أن اريكا تجسد نموذج الناقدة الغربية للتمركز الغربي من الداخل الغربي نفسه، إذ تهدف من خلال المعهد الدولي لتناسج ثقافات الفرجة الى بلورة تناسج عادل بين مختلف ثقافات الفرجة، بشكل ينزاح عن التفوق الغربي الموهوم.

يكشف الحوار أيضا عن تطور وعي اريكا فيشر وتناسل مشروعها الخاص بسياسة الممارسة المسرحية "بين الثقافية". فبعد أن كانت توظف في ثمانينات القرن العشرين مصطلحات تشي بالفصل بين العوالم وتؤسس تمركزا مضمرا، ـ كما هو الحال في المؤتمر الدولي الذي اتخذ له عنوانا يدعم التقسيمات التراتبية ويكرس الرؤية الاستشراقية، وهو "المسرح بين الخاص والغريب" ـ تجاوزت هذا التوظيف الذي يختزن نسقا ثقافيا مضمرا الى مشروع منفتح ويتعلق الأمر بتناسج ثقافات الفرجة.

يبدو أن ايريكا فيشر تقارب تناسج ثقافات الفرجة بمنظور جمالي صرف. تقول في هذا السياق: "إن سيرورات التناسج هي في واقع الأمر سيرورات جمالية، إذ تجمع بين عناصر وأساليب من تقاليد مختلفة لتخلق علاقات جديدة فيما بينها في أفق تحويلها ولو جزئيا، جراء عمليات التناسج تلك"14. وهنا نتساءل: لكن ألا يحتاج التناسج الى ناسج يضمر ـ في الغالب ـ خلفيات ايديولوجية معينة؟ هل يمكن أن نتصور عملا خالصا، أليس تثمين الجمالي والمغالاة في دعمه فعل سياسي بامتياز؟. تجيبنا اريكا فيشر: "قد يذهب البعد السياسي الى أبعد من ذلك لينطبق على الامكانيات المحتملة التي قد يستشرفها أفق التناسج للتفكير في العلاقة بين ثقافات مختلفة لتفادي الوقوع في فخ الجوهرانية"15. وبذلك يصبح الجمال والسياسي وجهان لعملة واحدة.

كما نستشف من خلال حوار اريكا فيشر وخالد أمين، أن فيشر تؤمن بأن العالم فضاء مشترك والخشبة رمز للعالم، ويمثل تناسج ثقافات الفرجة التجسيد الفعلي لهذا الطموح "المثالي"، مادام التناسج لا يعاين التقاليد الفنية بوصفها فلكلورا من جهة، ويتجاوز الرؤية الاستشراقية من جهة ثانية، ويسعى الى بلورة الاختلاف. وهنا تعتبر ايريكا فيشر النقد المزدوج الذي يمارسه الباحث المغربي خالد أمين ضرورة ملحة لتقويض التمركز الغربي والتمركز المعكوس. تقول كاشفة هذا المعطى: "نحن في أمس الحاجة الى النقد المزدوج اليوم في معظم أنحاء العالم، بما في ذلك العالم العربي. أما من الناحية المثالية، يتبنى مشروع تناسج ثقافات الفرجة، وتناسج الثقافات داخل الفرجة هذا النقد المزدوج، ويدعو اليه، بل أكثر من ذلك، يحث كل من المؤدين والمتفرجين لترجمته فعليا والتأمل في مقتضياته وأهدافه ونتائجه"16.

وفي الختام، لقد حلق بنا كتاب اريكا فيشر ليشته من مسرح المثاقفة الى تناسج ثقافات الفرجة، مع ما يستدعيه هذا الانتقال من قضايا ذات طابع اشكالي من قبيل: العام والخاص والكونية والخصوصية والهوية الثقافية والعولمة..... فالحوار الفني والتلاقح الثقافي بين العوالم يسمح بتوسيع مساحات المشترك بين الثقافات بعيدا عن الصراع والتفرقة والقطيعة، كما أن الانغلاق على الذات يكرس تعظيم الهوية والخصوصية الثقافية.والملاحظ أن اريكا فيشرتستحضر السياق الحضاري والتاريخي في عملية تبني التقاليد الفرجوية،ففي افريقيا المستعمرة سابقا ـ مثلا ـ عدت التقاليد المسرحية الغربية وافدا من عالم المستعمر, ولذلك تم الانكفاء على المرجعية التقليدية. وإذا كان هذا المنحى له ما يبرره لأن المجتمعات التي يتعرض تاريخها للتشوية وكيانها الرمزي الى التمزق، غالبا ما تجد نفسها مدفوعة الى استثمار هويتها بحثا عن التوازن النفسي،فإن هذه مجرد خطوة أولى وجب أن تردف بخطوة أهم، وهي: الانفتاح على انجازات الآخر، حتى لا تتحول ممانعتها الى ممانعة قاتلة وأداة من أدوات النكوصية، فالفن حين ينحاز الى الانزواء والانغلاق يغامر بفقدان قدرته على الوجود.

وحين تنتقل التقاليد الفرجوية من مجتمع الى آخر، فإن ذلك يتم على نحو من التميز، اذ تخضع للتعديل والتحوير ولا تخضع للمماثلة إلا في وعي يفتقر الى الحس الفني والتاريخي. ففرجة المثاقفة في سعيها نحو التلقي المنتج تخضع العناصر المسرحية الى تغيير جذري بهدف توسيع الامكانيات التعبيرية أو إحداث شكل مسرحي جديد. وهو ما يمنحه التناسج، إذ تمتزج العناصر الفنية لتشكل عرضا فنيا كما تلتئم الخيوط الحريرية، لتشكل ضفائر وخيوط دون إمكانية الفصل بين مكونات الإنتاج أو إحالة مواده الأساسية الى أصله. وبذلك يغدو التناسج من هذه الزاوية صناعة جمالية بامتياز ذات قدرة تحويلية هائلة، يحول دون افراز الأضداد والنوافي.

 

الهوامش:

1ـ اريكا فيشر ليشته، "من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافات الفرجة"، ترجمة وتقديم خالد أمين، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، ط1، 2016، ص: 63.
2ـ نفسه، ص: 79ـ 80
3ـ نفسه، ص: 80
4ـ نفسه، ص: 80
5ـ نفسه، ص: 85
6ـ نفسه، ص: 133
7ـ نفسه، ص: 135
8ـ نفسه، ص: 150
9ـ نفسه، ص: 154
10ـ نفسه، ص: 156
11ـ نفسه، ص: 167
12ـ نفسه، ص: 168
13ـ نفسه، ص: 202
14ـ نفسه، ص: 206
15ـ نفسه، ص: 206
16ـ نفسه، ص: 211

(المقالة نشرت بالعدد الرابع لمجلة "دراسات الفرجة" الصادرة عن المركز الدولي لدراسات الفرجة، طنجة، المغرب).

رأيك في الموضوع

على صواب

  • لا تسبوا الفايسبوك
    أصبح من قبيل التبرم والتعبير عن "الاستقلال" الذاتي عن إمبراطورية الهوس بشبكات…

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012