الجمعة, 01 آذار/مارس 2013 22:16

سوسيولوجيا مسرح الطفل بالمغرب

كتبه  عبيد لبروزيين

انبثقت التجربة المسرحية المغربية – بادئ الأمر- في فضاء المدرسة، من خلال ثانوية مولاي ادريس بفاس، وبمدرسة مولاي يوسف وما تلاها من أعمال مدارس أخرى في الرباط وسلا وطنجة ومراكش، مؤكدة على العلاقة الوطيدة بين المسرح والطفل في فضاء المدرسة.

لقد ظهر المسرح في المغرب خدمة لوظائف اجتماعية وسياسية أشادت بها وساندتها حركة التحرير الوطنية، لذلك كانت وظيفة المسرح المدرسي في ذاك الوقت -العشرينات والثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي- تروم نشر الأفكار الوطنية وتربية النشء وتقويم أخلاقه وفق المبادئ العربية الإسلامية، كـ"انتصار الحق على الباطل" لـ عبد الخالق الطريس. هكذا أرست وظيفة المسرح الإجتماعية أسسها على إمكانية قيام مسرح ينهل من المجتمع وينتهي إليه.

وظهرت سوسيولوجيا المسرح لتدرس كيفية اشتغال مختلف مكونات المسرح، ابتداء من الوسط والمحيط الذي ينتج فيه النص والعرض، والإخراج، وكل ما يتعلق بالممثل، وانتهاء بالمتلقي. أما بوادر هذا الاتجاه في الوطن العربي فكانت تأخذ من المدرسة الغربية والفرنسية خصوصا، مثل كتابات جون دوفينيو، وكذلك كتابات ألفريد فرج الذي تناول مختلف مراحل الدعم في انجلترا ومقارنتها بواقع حال المسرح في المجتمع العربي، والكتاب يحمل عنوان "أضواء المسرح الغربي". 

أما بخصوص سوسيولوجيا مسرح الطفل، فإنه ولاشك ينهل من مختلف روافد إمكانية قيام كل ما ينتسب للمسرح في علاقته بالطفل، لكن هذه العلاقة بين المسرح والفئات الاجتماعية المختلفة في البلدان العربية اعترته عراقيل جمة، عبر عنها الفريد فرج بقوله: "ولكنني وجدت الفرق بيننا وبينهم (الغرب) أنهم يعتبرون فن المسرح من اللزوميات ونحن نعتبره من الكماليات الزائدة، ومن الألعاب غير الجدية والتي لا يليق أن تنشغل بأمرها الحكومات القائمة على تصريف الأمور الجادة والجدية أو الهيئات العلمية والجامعات أو الفكر السياسي والاقتصادي أو القائمين على الترجمة والتعليم والمدرسة". إن هذه القناعات المترسخة والمسبقة على المسرح من طرف رجال الدولة والقائمين على أمورها حال دون تطوير مسرح الطفل عموما والمسرح المدرسي خصوصا.

وأمام هذا الواقع، انبرت تجربة مسرح الطفل والمسرح المدرسي في واقع التسيير الارتجالي، وخضوعهما لنزوات وميولات الأفراد أو تلبية للاحتفال بعيد وطني أو ديني. وفي ظل هذه الأوضاع، نشأت هذه التجربة بقوة الفعل، ليبقى السؤال: كيف كانت تنتج العروض داخل المؤسسات المدرسية؟ هل يتلقى الممثل/الطفل تكوينا قبل خوض تجربة التمثيل؟ وماهي الأماكن المخصصة للعروض المسرحية؟ وكيف تمول هذه العروض؟

لم يسدل الستار عن مسرح الطفل والمسرح المدرسي في المغرب إلا في أواخر سبعينيات القرن الماضي فـ"قد بدأ الإهتمام بمسرح الطفل في السنوات الأخيرة، ابتداء من سنة 1978، حيث نظمت وزارة الشبيبة والرياضة في يوم الجمعة 17 أفريل 1978 المهرجان الأول لمسرح الطفل بمدينة الرباط، وقد قدم فيه 16 عرضا تمثيليا، وكان عدد المستفيدين من العروض 9500 طفل بالإضافة إلى الآباء الذين يرافقون أطفالهم".

هكذا انبثقت أول تجربة مؤسساتية لاحتضان مسرح الطفل من طرف الدولة، وكان ذلك على ثلاثة مستويات:
أ- المهرجانات
ب- المسرح المدرسي
ج- سياسة الدعم

من خلال هذه المستويات أصبحت تجربة مسرح الطفل تؤسس لنفسها وتصنع لها موضعا في الساحة الثقافية المغربية، إلا أن الإنتاج يختلف بين هذه المستويات الثلاث حسب القدرات المادية والبشرية لصناعة العرض المسرحي. أما من جهة القاعدة الشعبية لتقبل مسرح الطفل، فقد ظهرت في فترة متقدمة جدا من تاريخ المسرح المغربي، لأن أول نص مسرحي يخص الطفل كان سنة 1937، وهي مسرحية "ضحية الطمع": جمعية هواة المسرح، المطبعة المهدية، تطوان، الطبعة الأولى سنة 1937م. تزامن ظهور النص مع فترة الإستعمار الفرنسي – الإسباني، فكانت كل محاكاة للمستعمر تشبها بأخلاقه وعاداته، لذلك كان الإقبال على المسرح ضربا من ضروب التطبيع مع الغزاة إضافة إلى ظهور كتاب لأحد الشيوخ بعنوان "إقامة الدليل على حرمة التمثيل".

ولهذا السبب كان إنتاج نصوص مسرح الطفل قليلا جدا وكانت القاعدة الشعبية لمسرح الطفل قيد التكون. ورغم ذلك تبقى أهمية مسرح الطفل تاريخيا وتربويا في تخليق النشء، وتلقينهم مكارم الأخلاق والقيم المغربية (حسب النصوص المنشورة) متجاوزا بذلك الاعتقاد السائد بأن كل ما يأتي من الآخر/المستعمر هدفه تكريس سيطرته، لكن هذا الوعي غير الراسخ لا يظهر على مستوى إنتاج النصوص المسرحية.

وعموما، فإن المسرح فن جماعي، تتداخل فيه عناصر مختلفة، لذلك سنقف عند هذه العناصر في مسرح الطفل والمسرح المدرسي بغية استخلاص تصور عام حول هذه التجربة:

النص: يتم تمثيل نصوص مدرجة ضمن الكتب المدرسية أو نصوص مسرحية موجهة للطفل أو إبداعات الأساتذة، وتتسم هذه النصوص بتيمات مواضيعها التربوية والوطنية، وذلك نظرا لتزامن عرضها مع الاحتفالات الوطنية والدينية .

المخرج: يصعب الحديث عن المخرج بعناه المهني لأن أغلبيتهم أساتذة مشرفين، كما أنهم لم يتلقوا تكوينا أكاديميا أو حتى دورات تكوينية، مما يجعل من وظيفة المخرج/ المشرف في المسرح المدرسي تتسم بالارتجال.

الممثلون: يتكون الممثلون في هذه المسرحيات من تلاميذ المدرسة، وهم كذلك يفتقرون إلى التكوين والتأطير المستمر، ما يجعل العروض تتسم بنوع من الحفظ والإلقاء دون تجاوزهما إلى التمثيل.

السينوغرافيا: تتسم السينوغرافيا بخصوصياتها التقنية، ونظرا للتكاليف المادية فإن دعمها يتمحور حول مبادرات المشرف والتلاميذ لذلك يصعب الحديث عن مفهوم السينوغرافيا في هذه الأعمال إذ تبقى بسيطة نظرا للإمكانيات المادية وغير مقننة لتستجيب لحاجيات العرض.

مكان العرض: تعرض هذه الأعمال في محيط تربوي (المدرسة) يحظى باحترام المجتمع المغربي، أما بالنسبة للفضاء المسرحي (الخشبة والصالة) فنادرا ما تتوفر المدرسة عليه، وتبقى أمكنة العروض مقتصرة على أقسام الدرس ما يؤثر سلبا على تحرك الممثل/الطفل ويحد من إبداعيته، كما أن الصالة والخشبة يقعان في نفس المستوى فتنتفي الفواصل المادية في الفضاء المسرحي، ويكون الفضاء خارج القسم بمثابة كواليس يدخلون من الباب كلما اقتضت الضرورة ذلك.

الجمهور: يكون الحضور رسميا من طرف شخصيات المجتمع المدني وممثلي مؤسسات الدولة خصوصا في احتفالات ثالث مارس في عهد الملك الراحل الحسن الثاني بالإضافة إلى الأطر التربوية والإدارية للمدرسة والتلاميذ.

إن المسرح في حاجة ماسة إلى الهيكلة في القطاع التربوي بتوفير أبسط شروطه وهي قاعات العروض وإلا فإن المبادئ الأساسية لمسرح الطفل والمسرح المدرسي ستكون مجرد كماليات كما سلف الذكر، مما يؤثر سلبا على حياة التلميذ، فيحس بأن التعليم شيء ثقيل على نفسه حين لا يجد مكان إفراغ مواهبه. هكذا تظهر حاجة المسرح المدرسي لإشباع حاجات الطفل الفكرية والنفسية والاجتماعية والعضوية لخلق التوازن المنشود في شخصيته وللتكيف مع الذات والموضوع وتحقيق النمو البيولوجي السليم.

ويتطلب المسرح المدرسي الاختصاصات التالية :
ا- الإنتاج ونعني به التمثيل والإخراج والإبداع.
ب- التنشيط وهو مقاربة تربوية تطوع المادة المسرحية لخدمة أهداف تربوية.
ج- التقنية سواء كانت سمعية أم بصرية أم هما معا.

وتنضم هذه النقاط إلى توصيات المهرجانات و دعوات الجمعيات والأفراد لتشكل ملفا مطلبيا أذعنت وزارة التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي إلى بعض منها، إلا أن مأسسته في هذا القطاع كمادة نظرية أو تطبيقية لم تتعد حدود إدراج نصوص مسرحية متناولة في قالب أدبي لا يراعي خصوصية المسرح .

لقد "بقي مسرح الطفل مغمورا و غير نشيط لا تقيمه سوى المدارس والثانويات في المناسبات الأمر الذي عمل على خموده وقتله" إن مختلف الأبحاث السيسيولوجية أو التأريخية التي تناولت قضايا المسرح تقف على مثل هذه النتائج أو الحقائق التي تلف واقع مسرح الطفل والمسرح المدرسي بالمغرب ''فعن دراسة لأحمد أخشيشن وجمال الدين الناجي– الملحق الثقافي للإتحاد الإشتراكي عدد 24' سنة 1984 الصفحة 6، أن نسبة الإنتاج الوطني لبرامج الأطفال 1,55 في المائة بينما الإنتاج المستورد للأطفال 12,19 في المائة بما فيه مسرح العرائس ومسرحيات الأطفال''. إن هذه الإحصائيات لا تظهر حقيقة مسرح الطفل في المغرب لأن هناك مجموعة من النصوص التي لا تعرف طريقها للنشر لكنها تعكس حقيقة التجربة المسرحية.

إن مسرح الطفل في المغرب، انطلاقا من الجدول السابق والمهرجان الأول والثاني والثالث والرابع، يظهر لنا التفاوتات في الإهتمام به، حيث نجد أن عدد المشاركين في المهرجان الثاني 1979، بلغ 15.740 مستفيد و بلغ الثالت 1980 13500 مستفيد بينما الرابع 1982 لم يتحدد عدده في حين كان عدد المستفيدين في المهرجان الأول 1978 9500. يتسم عدد المشاركين بالتذبذب حسب المنطقة التي يقام فيها المهرجان وتأتي أهمية هذه المهرجانات في توطيد العلاقات الاجتماعية والثقافية بين المسرح والطفل، بل وتساهم هذه المهرجانات في بلورته من خلال مجموعة من التوصيات "فقد كان من بين توصيات المهرجان الوطني الثاني لمسرح الطفل المنظم من طرف وزارة الشؤون الثقافية بطنجة 13/14/15 1984 :

ادماج المسرح كمادة أسياسية في مناهج التعليم بمختلف مراحله الإبتدائية والثانوية و الجامعية "

وكان من بين التوصيات أيضا عن اللجنة الدائمة للمسرح العربي في مكناس 1986 :

أن تؤدي جميع المؤسسات للتربية و التكوين في بلادنا مهمتها في نفس الإتجاه من روض الأطفال و الكتاتيب القرآنية ..."

يظهر الوعي بأهمية المسرح جليا من خلال هذه التوصيات التي انبثقت عن نخبة أصبحت تعد المسرح من اللوزوميات إيمانا برسالته الفاضلة في جعله وسيلة يستفد منها النظام التربوي المغربي، فالبحث السوسيولوجي قد جعل من واقع المسرح مكشوفا، وكخلاصة للموضوع توصلنا إلى ما يلي:

ـ خلو المقررات الدراسية من مادة المسرح تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي.

ـ اشكالية القاعات والدعم.

ـ الهوة بين مسرح الطفل والمسرح المدرسي.

ـ ارتباط العمل المسرحي برغبات المدرس في أغلب الأحيان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الهوامش:

1- ألفريد فرج، أضواء المسرح الغربي، دار الهلال، دط، دت، ص6.
2- مصطفى عبد السلام المهماه، تاريخ مسرح الطفل في المغرب. ط1، 1986، طبع على نفقة المؤلف، مطبعة فضالة-المحمدية.، ص 96
3 جميل حمداوي. www.adabfan.com/theater3899.html
4- مصطفى عبد السلام المهماه، تاريخ مسرح الطفل في المغرب.م س. ص96
5- نفسه، ص 106.
6- نفسه، 101.

 



 

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012