الأربعاء, 06 آذار/مارس 2013 13:18

مرارات الزمان المسرحي: رؤية غير نقدية

كتبه  بوسرحان الزيتوني•

1 – لا مقدمة: في وصف الحالة وضدا على الإحالة

هذه كلمات يائسة أتمنى أن تكون مصلا ضد اليأس. حلمي أن لا يتلوث جيل الشباب المسرحي بأمراض من جايلناهم، ولا أن يموتوا في الطريق بما مات به جيلنا في فضاءات الظلام والتلاشي.

هل لنا بعد من فضيلة نسعى إليها، تمحي خوفنا وتفضح صمتنا؟

هل نستطيع نحن المسرحيون المتدحرجون من زمن الخيبات، بعد أن حاولنا مغالبة الحدود ومصارعة المواقيت، أن نمنح لجيل الشباب بعض الأمل في قتل السيء فينا؟

ما خلصت إليه حياتنا المسرحية هو تطوير أشكال التسكع على موائد العزاء، وبسرعة تدل أننا لا نحسن في صحو الأحوال سوى تغيير الألفاظ، والأسماء والتعابير. من وزارة الشبيبة إلى وزارة الثقافة مرورا برؤساء المقاطعات والجماعات، وصولا إلى الجلوس مع رئيس الحكومة.

في الطريق تتراكم قبورنا، نلقي التحية والدموع ويمضي الموتى إلى مثواهم، نعود إلى ممارسة الدوران ، كأن لا شيء حدث. نتعاهد ونتواعد، وتظل أشلاؤنا تتآمر في الخفاء، من أجل مقعد لا يجلب نفعا إلا للجالس عليه. ولا نفع فيه كي ندافع بأحلامنا لكي لا تتشقق.

من جيل غارق في حمى الايديولوجيا إلى جيل تغرق فيه، ومن جيل عاشق لمدن الماء على أراض من ورق، إلى جيل عاشق لمدن من ورق على أراض من ماء، نعاود الدوران، بلغات مختلفة لإنتاج ذات المعاني، وبألوان متمايزة لانجاز نفس الصور.
اسائل نفسي: إلى أي حد يستلذنا العبث؟

نمضي بسرعات تفوق الصوت لكنها لا تجر الجسد. وفي الصباحات المتدلية من خلل النعاس ، لا أحد يسائل أحدا، لأن في العادة لا أحد يسأل عن أحد . ولا أحد يعنيه أن يكون مسؤولا أمام أحد، فالأحد لا يلتقي بسبت ولا باثنين.

جزر حياتنا المسرحية، ولأن الجسور التي بنيناها لن تفلح في خلق التواصل بين الجزر تلك، فقد أقنعنا أنفسنا بأن لا فائدة من الوحدة حتى وإن حدثت في القول، لأن لا أحد يهمه أمر الاتحاد.

بالأمس أقمنا الدنيا على وزير، ثم أعدنا إنتاجه فينا، لم نفهم أن الرداءة المستمرة منذ أكثر من عشرات السنوات هي وقود الوقت قبل وخلال وبعد. وأن عمرا بهذا الحجم ما كان استمراره لكفاءة في القائمين عليه، فالحياة المسرحية تدحرجت من سيء إلى أسوأ. ورعاته صنعوا مجزراته، بابتسامة عريضة ولطف في القول ودماثة في الخلق، وكأن تلك أمصال تكفي لمسح الوعي والإدراك وإعدام علامات الاستفهام . التساؤل لا ينتج المعرفة بل يشعل الفتن، ولا مرد للفتنة إلا بإغلاق السؤال .ولإغلاق الأبواب لا بد من ابتسامة عريضة ولقطات هيتشكوكية.

كلنا كالقمر لنا جانب مظلم، كما قال هتلر، ولا يمكن في منطق الحياة أن يدعي أحد فينا النقاوة والطهارة ، فمطلق الطهارة استحالة في الخلق. لكن من غريب حياتنا أننا لا نصرح بإخفاقاتنا كما بإنجازاتنا، ولا نباغث أنفسنا حين نكون في مهاوي السقوط، ولا نمنع أنفسنا أن نكون قساة في الحب وفي الكره، ففي الحالتين نفقد جوهر حقيقة انتمائنا إلى الإنسان.

نسيء الظن بعضنا البعض، لأننا لا نؤمن أنه يوجد بيننا من يسخر جهده ووقته من أجل الآخرين، فكل ادعاء هو بحث عن زعامة.

نغتاب بعضنا دائما، ولا نعترف ببعضنا دائما، ولا نستأنف بعضنا دائما، لا نخاصم بعضنا بحب، ولا نعادي بعضنا باحترام.

مصيبتنا الاعتقاد ، من فرط علم وجهل، أننا البدء والاستمرار. نتباعد في البعد وفي القرب، وحتى حين احتساء كأس في ضباب الدخان، تكون جثثنا فوق الموائد تماما كالكؤوس.لا مجال للحقيقة لأن ما يمتلئ يفرغ دائما. السيء هو الغائب دائما ، والمخطئ هو غير الحاضر بيننا، الشيطان هو من تخلف عن المجيء، فإن جاء بعد أن أُشبِعَ سبا وقذفا، تحول إلى الملاك، ويكون على الحاضرين البحث عن شيطان آخر لاستكمال نشوة السهرة.

هل يستحق الوقت أن يخرج عن عاداته السيئة ويملك القدرة على الاحتماء بالشمس من الاستقرار في الظلام ؟

كل يدافع عن ليلاه، وليلى لا تجيد الدفاع عن نفسها، فقد عودناها أن تعبث بالصمت في مسرح الأسرار . لا تجد مثلا، منا من يفضح نفسه، لكن كل يستطيع أن يفضح الآخرين.

الآخرون ؟

الآخرون ؟
الآخر هو الجحيم .

الآخر هو الجهل، هو الرداءة، هو المؤامرة، هو الخائن، هو الفاسد، هو المنافق. فإن حبست زمنك لتتعرف على هذا الآخر، فحتما لن تجده في الحدود، ولا بعد الحدود، لأن كلا منا ليس هو الآخر.

لا مجال لأن تثق في شيء أو في أحد.

لا مجال لأن تحب أحدا.

لا مجال إلا للتوجس والحذر.

تلك مصيبتنا.

فهل يأتي علينا ردح من مفعم بالمحبة وتسود حياتنا عادات الاعتراف مع حفظ الاختلاف. ؟

2 – موت مسرح : ذكريات غير مهمة عن مسرح لا يزال : ماض اسمه المستقبل

ليس هناك علاقة بين المسرح والقبر، سوى أنهما معا يحضنان ما يموت ولا يموت : الإنسان وحكاياته. ولأن الموت لا يهزمهما ولا ينهي وجودهما ، يستمر المسرح: المسرح صنو الإنسان.

لهذا لا يمكن الادعاء بان المسرح مات، قد يتخفى، يقل ضجيج حضوره، تخبو أضواؤه، تنغلق الأبواب عليه، ولكنه لا يموت. فالمسرح كالعنقاء.

ممارسات مسرحية هي ما تموت حقا لا المسرح. ممارسات لم تضاهيه، ولم ترتديه. أما ما فهم المسرح وعاشه وحمله على العاتق، فهي ممارسات لم تمت.

بالأمس كان السائد في المسرح، ينبض بالحياة وبالسؤال وبالحب وبالموقف، بالبحث، بالقلق. ويستمر لذلك وبذلك.

وبالأمس أيضا كان بعض السائد هو خارج سؤال المسرح وسؤال الحياة.

ممارسات ماتت وممارسات أنتجت.

والممارسات المنتجة غالبا، كانت غالبة لا تنتظر من ينتجها، ومن يروجها. لقد كان المسرح عندها جزءا من وجود جيل، هوية. هوية وإن أعطبها ألف الهواية في مسارات التسييج الطويلة.

كان تدبر أمر المسرحية مسألة حياة أو موت، من لاشيء، أو من شيء قليل، كان يتأسس المسرح بالخسارة، وهي خسارة كانت تمنحه استقلاله، وتمنحه مساحات إبداعه، خارج أي مقاييس سوى ما يؤسسه مخيال المبدع، وتصوغه قناعاته بالإنسان وبالأرض، و.... بالمستقبل.

ربما كان بسيطا، ولكنه كان غنيا، وحقلا للصراع، للخلاف وللنقاش في الأشكال وفي المضامين، مساحة حقيقية للقول والسماع، والحوار والكتابة والنقد.

ربما كانت معارف صانعيه أقل، لكن كانت أقدر على الإنتاج، ربما كانت عفوية، لكن كان تنضح بالجمال.

كان المسرح وثيق الصلة بالسياسة. أسئلة أشكاله مرتبطة بأسئلة متلقيه، ومن جدل علاقة المرسل والمتلقي كانت تصوغ الفرجة المسرحية نفسها، بلا خوف وتمضي رأسا إلى المباشر والإشكالي.

لهذا ظلت تخاصم المؤسسة، وتنأى عن الاحتواء، وإن لم تفلح في خرق الحصار. كانت تتأسس بالفقر لتنتصر على الفراغ في الفكر وفي الموقف.

لم يكن هناك جسور سرية بين المبدع والنقاد، بين الرسالة والقارئ، الكل كان منخرطا في الإبداع، وفي القراءة، لم يكن هناك نقاد يستريحون على رفوف فرجات ما بعد الأبيض والأطلسي، ولا في تربات الخليج الثرية.

وكانت الجرائد الوطنية، وحتى في أكثر هوسها بطهرانية ايديولوجيتها، تفرد كل أسبوع لمسرحنا صفحاتها، فاستطاعت أن تحفظ ذاكرتنا من الضياع.

الآن بالكاد، يتسرب الحديث عن المسرح نحو الإعلام، ويجد من يقرؤه. بضعة أسماء تحاول أن تخرق القاعدة، لكنها تتيه في تأسيس عداوات جديدة، تعاود الانتصار لبعد أحادي وواحدي فينا، لا أن تحاول النظر إلينا كتنويعات في قصيدة المسرح الطويلة. المسرح لا يموت، ما يموت هو القدرة على اللحاق به فضاء للخيال ومساحات للأسئلة.

· مخرج مسرحي، المغرب.

 

 

 

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012