السبت, 16 آذار/مارس 2013 02:37

المسلسلات والنساء

كتبه  وفاء أفيوني شعراني• لبنان

لا أشكّ في أن مهنّد وجد له قلوباً ضمته بين الأضلاع، لكن في محاولات استطلاع رأي سريع كنت أجريها بين قريباتي في مدينة طرابلس اللبنانية عن سبب إعجابهن به، تفاوتت الآراء ليحصل على أكبر نسبة بين ربات المنازل. وفي محاولات استبيان الرأي السريعة هذه (كنت أجريها شفهياً أثناء الزيارات أو اللقاءات العائلية)، تراجعت النسبة عند الصبايا العاملات اللواتي لم يجدن فيه ما "يسوسح"، وقلن إنهنّ بعد عدة حلقات، توقّفنَ عن متابعة مسلسلاته تاركات لـ "نور" همَّ عشقها، ولسمر خانم أن تنتحر.

فجأة ظهر كريم في مسلسل جديد (لمخرجة العشق الممنوع)، وتحولت سمر خانم إلى فاطمة. شخصية مختلفة لا تمت بصلة إلى عاشقة مهند الولهانة. في نتائج الاستبيانات السريعة ذاتها، انقلبت المقاييس، وتحولت ربات البيوت عن المسلسل الجديد، وقد صرّحن انهن غير قادرات على مقارعة البؤس المستحكم في العلاقة بين فاطمة وكريم، وفقر البيوت المتواضعة لأنهن كن مأخوذات بالدور والقصور والملابس والأزياء التي استوردتها إحدى البوتيكات في طرابلس، فلم تبقَ قطعة من فساتين فيروز أو السيدة الولهانة سمر خانم. ثوب فاطمة البسيط لم يعن واحدة من السيدات، ولا الأناضول، قلب تاريخ الإمبراطورية العثمانية ومعاناته الحرمان الإنمائي، إضافة لفكرة حاولت المخرجة بناءها، رويداً رويداً، وبتفاصيل مذهلة، تقع في سياق أنتروبولوجي ومؤداها علاقات القوة والمال، فهذه لم تعن الّا القليلات أيضاً.

في مدينة كطرابلس، تأخذ المسلسلات حيزاً واسعاً من الاهتمام. اليوم، يسيطر مسلسل "حريم السلطان" على رزنامة الحركة العائلية. قالت لي إحدى السيدات إنها تسرع في أداء فريضة الصلاة قبل بدء الحلقة. لا يهمل المسلسل تسليط الضوء على الدور القانوني التاريخي. لكن محور علاقته بالجواري والكسندرا (الأصح روكسانا) بالذات يطغى عند المستطلَعات، على كل ما عداه. ليس المقام هنا للحديث التفصيلي عن المسلسلات التركية وعلاقتها بمدينة طرابلس رغم جاذبية الموضوع، فعلاقة الفيحاء بالمسلسلات تثير الغضب، غضبي وحدي ربما، فمسلسل "هدوء نسبي" للمخرج شوقي الماجري لم ينتشر انتشار المسلسلات التركية. موضوعه احتلال بغداد ونزول الجيش الأميركي في عاصمة العباسيين، وهو في رأيي وثيقة للمشاهدة والنظر والتأمل في جرائم أبو غريب وممارسات الجيش الأميركي. لم يخلُ المسلسل من قصة حب جميلة بين مراسل حربي سوري وصحافية مصرية.

فعلاً السؤال مشروع: هل الحب المطلوب في المسلسلات هو فقط ما تستثمره الصناعة التركية؟ ليس السؤال من باب الرفض، فالمسألة أبعد من ذلك؛ هناك حقيقة لا يمكن التغاضي عنها، وهي أن طرابلس تغرق في مشاهدة المسلسلات - لا أنفي ذلك عن بقية المدن - من دون التساؤل عما إذا كانت تجد فيها صدىً لقضاياها. أما وقع المسلسلات السورية، فهذه مسألة جديرة بالتوقف عندها للكتابة.

لقد ابتعد الزمن عن مرحلة الأفلام العربية وأبطال الحب الرومانسي الملتصق الذي كان جزءاً من نسيج طرابلس وشبكة تكوينها الاجتماعي. في زمن الثورات، لماذا لا تُكتب مسلسلات تخرج من الروح ومن معاناة تاريخنا المعذب؟ لا أخفي أن الإنتاج التلفزيوني قد خطا في دروب جمع الطاقات العربية في وحدة انعكست نجاجاً نسبياً، لكن تبقى المسألة في انبلاج قدرة سيناريست ما على استبدال روبي – على سبيل المثال - بامرأة أخرى لا مجال الآن لرسم صورتها، وهي موجودة في كل مكان، وتعاني حتى اليوم ضياع حلم يختصر تاريخ المنطقة منذ بدأت قصص الحب في بلاد الشام تحت الحكم العثماني، ومنذ كبرت الفتيات في أجواء التظاهرات تحت صورة عبد الناصر. ألكسندرا هي النجمة التي تستحوذ على عقول النساء، ومشاهد الحب بينها وبين سليمان القانوني كأنها إسقاط مَرَضي تستعيض فيه النساء عن حرمان لا تداويه الشاشة، بل تُفاقمه. وهذا الأغلب ...

• المقال نشر بجريدة السفير اللبنانية وأعيد نشره باتفاق مع الكاتبة.

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012