الإثنين, 01 نيسان/أبريل 2013 11:08

لِيلْةْ 27

كتبه  ميراني الناجي

كم هو مؤلم أن ننتظر وعودا اسمها الانتظار ... وكم هو قاس أن يصبح الانتظار واقعا مألوفا لجمهور مَلَّ من غودو المغربي ... إن الانتظار جريمة كما وصفه لينين، بل هو في الآن ذاته تعذيب ووصفة أوهام ...

طقوس ديونيزوس أوليلة باخوس

ليلة ذكرتني بليلة دينية مقدسة يحتفل بها المسلمون كل سنة في بقاع المعمور بطقوس خاصة رغم اختلافهم في الزمان والمكان ...

هذا الاختلاف ربما يعطي شرعية لمعنى الجغرافيا ، حيث تصبح هذه الأخيرة هي بوصلة الزمن حسب التقويم القمري . ليلة ربانية ، بدون شك ، لا تخضع لشروط النسبية أو لمجال العقل البشري لأنه رُكِّب بطريقة عجيبة تجعله غالبا يقف عاجزا أمام سلطة التناقضات حسب مقولات كانط .

مناسبة هذا الحديث تضعنا أمام ليلة أخرى تعود بنا لآلاف السنين عندما بدأ الإنسان يخرج من حالة الانفعال إلى حالة الفعل ... إنها طقوس ديونيزوس أو ليلة باخوس التي جعل منها الإغريق موسما للهجرة نحو عتبات إله وَحَّدهم باسم سلطة الاحتفال ...

نحن ، إذن ، أمام ليلة تحمل نفس الرقم لكنها تختلف في المعنى والسياق ... ورغم ذلك تبقى مرتبطة بشعائر دينية تحولت فيما بعد إلى نصوص أدبية ، أي إلى دراما قَعَّد لها أرسطو في كتابه « فن الشعر » انطلاقا من نموذج سوفوكل .

ارتبط المسرح ، إذن ، في بدايته بالمعبد فأصبح فيما بعد عبادة وعشقا يتوحد فيه الإنسان حد الهوس والجنون . مَنْ منا لم يجرب التمثيل ؟ مَنْ منا ينكر بأنه ليس ممثلا بارعا في مسرحية قد يكون فيها هو المخرج والمؤلف ؟ مَنْ منا لا يعترف بأن المسرح حقا أب الفنون

لكن من يبتلي بطقوسه اليومية قد يغدو موضوعا للمتابعة في تقارير الاستخبارات العربية ويقضي بقية عمره على حاشية المتعة والبؤس ..

متعة المسرح وبؤس الواقع

المتعة والبؤس في واقعنا العربي الراهن وجهان متنافران في ليلة عالمية تغدو فيها الأنظمة العربية الرسمية هي المسرحية الهزلية الكبرى بامتياز ... سنحتفل بهذه الليلة ، لامحالة ، مثلما احتفلنا بها منذ عشرات السنين ... وسترحل في صمت بطعم الحسرة والمرارة مثلما رحل نفر من الفنانين وهم يعانقون إكليل المتعة العابرة ويفترشون بؤس الواقع المر ... واقع حَوَّلته نخبة من المسرحيين المغاربة والعرب على السواء إلى السخرية السوداء والتشخيص الموصول بنحيب البكاء.

دقت ساعة المتعة ... متعة الاحتفال الرسمي ... وسنستمع في هذا اليوم ، كالعادة ، إلى كلمة بالمناسبة أعدها هذه السنة المسرحي الإيطالي داريو فو بتكليف من المعهد الدولي للمسرح التابع لمنظمة اليونسكو ...

كلمة ستترجم إلى جميع اللغات وستعمم على بقية العالم ، لكن مهما بلغت من القوة فإنها لن تستطيع الإحاطة بمشاكل وخصوصيات مسرح البلدان المصنفة في خانة الدول النامية ، ناهيك عن الدول المتخلفة والمعادية للديمقراطية ... بلادنا والحمد لله فيها وزارة تسمى وزارة الثقافة عممت بلاغا تقول فيه « وبهذه المناسبة تتوجه وزارة الثقافة إلى كافة نساء ورجال المسرح بالمغرب بأزكى التحيات والمتمنيات بدوام التوفيق والتألق . وكل عام والمسرح المغربي بألف خير »

نعم ... كل عام ومسرحنا بخير ... نص يحتاج إلى مراس في الاقتباس أو إلى تقنيات الاستنبات على طريقة قاوتي ليتحول إلى عرض مسرحي يترجم إلى جميع اللغات ...

ما علينا ... لنتقدم قليلا ... المسرح يوحدنا في هذا اليوم ويفرقنا في باقي الأيام الأخرى شأنه شأن الواقع العربي المتشردم ... لكن رغم ذلك يبقى هذا اليوم الذي يصادف السابع والعشرين من مارس من كل سنة وقفة للتأمل والتساؤل حول واقعنا المسرحي ... هل حقا يعتبر المسرح المغربي بألف خير على حد تعبير وزارة الثقافة ؟ ماذا حققت حكومة بنكيران والحكومات السابقة لقطاع المسرح المغربي بكل أطيافه ؟

ماهو الدور الذي لعبه وزراء الثقافة بالمغرب للنهوض بالقطاع المسرحي عموما ؟ ثم هل ما حققته نقابات المسرح يعتبر فعلا تقدما بالقياس مع اللحظة التاريخية الراهنة ؟
أوهام الاحتفال وسياسة الارتجال

مرتجلة السياسة في بلادنا بدون مقاصد بالمعنى العميق لفلسفة الغايات ، وأوهام الاحتفال تدعونا إلى التفكير في الدور الموكول للمؤسسات الرسمية وغيرها باعتبارها بيئة حاضنة للممارسة المسرحية .

من هذا الأفق الذي يتقاطع فيه التخطيط السياسي بفلسفة الوهم التي نعني بها ، في هذا السياق ، ترتيب الواجهة المسرحية بتوابل الترويج الإعلامي من خلال احتفال أشبه بعرس في ليلة بدون عروس ...

تلك هي أهم ملامح « الإسمنت » الإيديولوجي للدولة على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير ..

داخل هذا العرس الذي يَنْفَضُّ فيه المدعوون بعد تلك الليلة وقد تقاطروا على بنايات المسرح ... يعودون من حيث أتوا وهم يحملون نفس الأسئلة المحرقة ...

جميل أن نحتفل ، كباقي دول العالم ، باليوم العالمي للمسرح ، وأن نؤرخ للفرح في ليلة تنبعث معالمها من تحت الأنقاض لتقول لنا بصوت متوهج ...

كم عددكم أيها المحتفلون ، في بلد يتسع لأربعين مليون وأكثر من المغاربة ؟ بمن تحتفلون ؟ وبماذا احتفلتم ؟ ويأتي الجواب قاتلا كمأساة أوديب ... إن زواج السياسة الرسمية بمسرحنا بالقطع هو زواج متعة أو زواج غلطة ...وبالتالي فهو ارتباط غير شرعي ...

ربما هذا ما جعل مسرحنا المغربي ، في ظل الظروف الراهنة ، يفقأ عينيه ويتيه في صحراء قاحلة يبحث عن قاعات للعروض فلا يجد إلا معاول الهدم والأطلال ... يبحث عن الدعم فلا يجد إلا المماطلة والتسويف من طرف ممثلين آخرين انبثقوا حسب الرواية الرسمية من صناديق مسرح آخر ... يطلب المنح فلا يجد إلا المحن وفتات الموائد المصحوبة بالمن والمزايدات ... مسرح يتسول في ردهات المكاتب الفاخرة من أجل قطعة ديكور فتصيبه دهشة أرسطو وهو يرى وزراء ورؤساء جماعات وإدارات يقتنون أحدث السيارات من مال الشعب ويزينون مكاتبهم وينفقون عليها بسخاء هو أقرب إلى تبذير وتبديد المال العام على مكاتب ولجوها من النوافذ ... ميزانيات ضخمة من ثروات هذا الوطن تُسْتَنزَف في جيوب صفقات مشبوهة ومهرجانات لا «توازن» بين الثقافة والسخافة ... كيف نتقبل سياسة تُقبل على تشييد الملاعب وتتقبل شغب الملاعب وفي نفس الوقت تهدم بنايات المسارح ولا تتقبل شغب المسارح ؟

كيف يستوعب عاقل في هذه البلاد دولة يمكن وصفها بدولة «البوصلانة»، حيث تحتكر فيها طبقة هجينة يمكن وصفها هي الأخرى تجاوزا بالبورجوازية مقاليد الحكم ولا تفكر إلا في اقتصاد الريع واستنبات العمارات والشقق والمقاهي ؟ ماذا جنينا من سياسة القطاع الخاص إلا الوبال والتيه ؟ وما هي نوع المساهمة التي قدمها هذا القطاع على المستوى الاجتماعي والثقافي عموما ؟

تريثوا قليلا ... واسمعونا من فضلكم ... يا سكان هذا العالم ... إننا نشارككم هذا الاحتفال بمشاعر صادقة ونحن تاريخيا أهل العروس بينما تنخرط معنا ، مع كامل الأسف ، جوقة لا تتقن إلا التطبيل والزغاريد وتُسَخِّر مختلف أجهزتها لتقول لكم إن مسرحنا بألف خير وإن رجال ونساء المسرح يعيشون في واحة من الرفاهية بينما الواقع المر يقول عكس ذلك ... فماذا أعددتم ، إذن ، للفنان المغربي في يومه العالمي ؟ ماذا أعددتم له ولقطاعه ، وجل الفنانين يعيشون تحت عتبة الفقر ، وبعضهم لا يتوفر على بطاقة الفنان ، ولا على تغطية صحية تضمن له علاجا كريما وموتا كريما ؟

تلك أوهام الاحتفال في يوم متلبس بالتاريخ ... كيف يصفو ،إذن، ضمير المسرح ونحن نرى كرامة الفنان تداس؟ كيف نحس بمتعة الاحتفال والفنان المغربي ما زال يلجأ للعلاج من أمراض المهنة إلى الجهات العليا وذوي الأريحية والإحسان ؟ كيف يتطور مسرحنا وبعض خريجيه ومثقفيه نذفنهم بين ردهات المكاتب يقتلهم الزمن والروتين ، وبعضهم يحمل شهادات الماستر المتخصص في الدراسات المسرحية ولا يحسون في زمن الاحتفال إلا بمهانة العطالة والانتظار القاتل ؟

غودوالمغربي وسؤال الاحتفال

كم هو مؤلم أن ننتظر وعودا اسمها الانتظار ... وكم هو قاس أن يصبح الانتظار واقعا مألوفا لجمهور مَلَّ من غودو المغربي ... إن الانتظار جريمة كما وصفه لينين ، بل هو في الآن ذاته تعذيب ووصفة أوهام ...

إن سؤال الاحتفال يضعنا أمام أقنعة وانتظارات تاريخية لا بد من التأشير عليها هنا في هذه المناسبة ولو بعجالة ...

كيف يمكننا أن نؤسس لشراكة مسرحية تضم جميع أطياف أبي الفنون بدون استثناء ؟ لماذا يتم ، بقصد أو عن غير قصد ، تمزيق الجسم المسرحي بمصطلح « التمثيلية » التي أعتبرها ، من وجهة نظري ، أجمل أكذوبة في تاريخ العمل النقابي ؟ لصالح من وُضِعت شروط الخزيرات لتجعل من بطاقة الفنان حصان طروادة ، وهل يمكن اعتبار هذه البطاقة تأشيرة شنغن للعبور نحو إمبراطورية الحلم والفنون ؟ وهل بواسطة هذا الإجراء يمكن تنظيم هذا القطاع الذي يعج بالمحسوبية والفوضى ؟ وهل الفنان ، في نهاية المطاف ، يعتبر بطاقة أم طاقة خلاقة ؟

إن مغربة غودو و جزء من عبثه هو تحويل مصطلح « التمثيلية » نفسه إلى تمثيلية ... لقد ضيع المغرب كثيرا من الفرص التاريخية باسم هذه العقيدة الجديدة ، وتحولت التعددية إلى إشكال صوري محض أضحت معه بعض الرموز التي صنعها النظام نفسه إلى آلهة تذكرنا بنشأة المصطلح نفسه في زمن الأساطير اليونانية ... من هنا لا يجب أن ننسى أن فلسفة الاحتفال الثاوية خلف أطروحة العقل الناقد تحتم علينا إعادة النظر في الفكر السائد وتحريره من أساطيره وأوهامه التي فرضها عليه آلهته .. كيف نتطور ونحن لا نقرأ التاريخ ؟ كيف نتقدم ونحن نغتال التفكير والعقل ؟ لقد علمتنا الفلسفة والتاريخ أن الأغلبية في الغالب لا تمثل الواقع بقدر ما تزينه في عيون الجماهير ... وأن المقولة الشهيرة لهيجل « كل ما هو واقعي معقول وكل ما هو معقول واقعي » مجرد تبرير لهفوات الواقع والعقل ... فهل حقا كل ما هو واقعي في مشهدنا المسرحي هو المعقول ؟ وكل ما هو معقول في واقعنا هو الواقع ؟ 

ليس من المعقول ، إذن ، أن نقف فوق السور أو نجلس في القاعات الإسمنتية ونعلم أطفالنا الصغار ، في المدارس الابتدائية ، أن من بين أيام الله هناك يوم اسمه اليوم العالمي للمسرح ونِصْف المجتمع يعيش الأوهام والأمية ؟ ما جدوى أن نحتفل اليوم ، ومناهجنا ، وبرامجنا ، ومقرراتنا ، ومراجعنا المدرسية تخلو تماما من مادة المسرح المدرسي مع العلم أن المدرسة هي النواة وأن الطفل هو ممثل المستقبل ومؤلف المستقبل ومخرج المستقبل ؟ كيف نستسيغ من وزير دولة يتقلد مهام الثقافة قوله بمناسبة انعقاد معرض الكتاب بأننا نعيش في مغرب اليوم تحديات كبرى« وعلى رأسها تدني نسبة القراءة » ... 

هل هذا اعتراف صريح بفشل مجتمع برمته في خضم عصر يتسم بالعولمة والعرفان ؟ ... كيف نفشل قرائيا ونطمح في بناء صرح مسرحي لا يعترف بمجتمع أمي وفاشل .. ؟ 

نعم ... هذا اعتراف رسمي من مسؤول كبير يضعنا أمام الوجه الآخر للاحتفال ... احتفال بيوم عالمي سيحاكمنا ، في يوم من الأيام ، من طرف أجيال صاعدة ... ستنتهي ليلة 27 ، وإلى ذلك الحين سيبقى سؤال الاحتفال يتردد في كواليس المسرح المغربي وربما قد ينتهي بالعبارة الشهيرة إن مسرحنا بخير وعلى ألف خير ولا ينقصنا سوى النظر في وجهكم العزيز ... تلك هي أوهام الاحتفال ....

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012