الجمعة, 12 نيسان/أبريل 2013 02:10

المثقف التابع والثقافة السلطوية

كتبه  أحمد شرجي ●

هل يساهم المثقف والثقافة في ترسيخ الديمقراطية في عالمنا العرب؟ قد يبدو السؤال للوهلة الأولى بسيطاً، والجواب بديهياً، ولكنه حقيقة الأمر في جوهره سؤال يثير أسئلة عديدة ومعقدة. المنطق يفرض الإجابة البسيطة، بأنه لابد أن تكون الثقافة سببا في إشعاع الديمقراطية وترسيخها في بلداننا العربية.

فهذا هو هدفها ورسالتها، وأدوات الثقافة هو المثقف، والذي من المفترض أن يكون أداة توصيل حقيقية لماهية الخطاب الديمقراطي. لكن يكمن التعقيد في الدور الذي تلعبه الثقافة والمثقف معا، ودور المثقف داخل مجتمعاتنا العربية، وقد تكون قراءتي فيها شيء من السوداوية وهذا نتاج انكسارات عديدة متوالية عاشتها مجتمعات/ ثقافات المنطقة العربية، مما أدى لتجريد المثقف من وظيفته في لعب الدور التنويري داخل المجتمع، جُرد من استقلاليته نتيجة الحاجة المادية وضنك العيش، حتى أصبح تابعاً. وبالتالي نجحت الأنظمة الشمولية بتدجينه ومصادرة دوره التنويري داخل المجتمع، وهذا النكوص يتحمل جزءاً كبير منه المثقف نفسه لأنه قبل أن يمثل دور التابع، ومن ثم أصبحت لنا ثقافة سلطة وليست ثقافة مجتمع، بل انصهرت ثقافة المجتمع داخل ثقافة السلطة، أو أريد لها هكذا أن تكون.

وهذه الثقافة لها مثقفان:

1- المثقف الحزبي التابع: الذي يحاول جاهدا أن (يمقرط) الاستبداد السلطوي وسياسة تكميم الأفواه، وهي ثقافة الحزب الذي ينتمي إليه.يحاول توصيل كل ذلك على إنه سياسة ديمقراطية، وبالتالي يساهم بترسيخ دكتاتورية (ديمقراطية)، ويكون هو مثقف سلطوي تابع.

2- المثقف الانتهازي التابع: الذي يعرض آراءه وقلمه وكأنهما بضاعة وتخضع للعرض والطلب، والذي يدفع أكثر يحصل عليها، فنجده تارة يسارياً ماركسياً، وتارة أخرى يلبس عمامة ويضع على جبينه علامة السجود. فيصبح جزءاً من ألية تأليه الدكتاتور وشيوع ثقافة القائد الأوحد والمخلص. وهذا النموذج نشاهده كثيرا على الفضائيات.

لازال المثقف والثقافة بمفهومها الواسع تابعة للأنظمة السلطوية، بمعنى ليس هناك ثقافة مستقلة ولا مثقف مستقل، وحتى أكون منصفا لا أقول كل المثقفين لكن الكثير منهم ، وللأسف اغلب المثقفين (المؤثرين) هم توابع وينتمون لنوعية المثقف الحزبي التابع. ولعل الجوائز المالية التي تمنح باسم الرؤساء في منطقتنا العربية، هي ترسيخ لدور رأس المال في سلطته على الثقافة والمثقف، بل هي عملية تدجين مقصودة للاثنين معا.

المثقف في المجتمعات العربية رسم له دور ويسير عليه، ولا يمكن أن يقبل بدور أخر، وحتى الذي يعارض ثقافة الاستبداد والأنظمة الشمولية، هو يدافع عن إيديولوجية ضيقة ينتمي إليها وتعارض النظام الحاكم. والمثقف الحقيقي غُيب وهمش دوره وسط ثقافة الضجيج، بل حُربَ من قبل مثقفي السلطة. حُجم دوره إزاء صعوبة وضعه المادي والأمني، مما أضطره لحمل حقائبه ومغادرة البلد باتجاه المنافي، وعندها يبح صوته من الصراخ ولا يسمعه احد، وهذا ما تريده السلطة، وبعكسه فأن كواتم الصوت توزع رصاصها بسخاء .

عدم تحرر استقلالية الثقافة والمثقف من رأس المال السلطوي، هو تعطيل لدورهما النهضوي داخل المجتمع، وكذلك التحرر من الايدولوجيا الحزبية والدينية. كنا ننتظر الكثير من مثقفي اليسار على سبيل المثال لا الحصر في ترسيخ جذور الديمقراطية في المجتمع العربي، لكنها للأسف كانت فكرة مثالية عن اليسار طالما حلمنا بها، لان المثقف اليساري جزء من منظومة إيديولوجية حزبية. ويعمل من اجل مصالحها شأنا أم أبينا، وهو يتشابه مع مثقفي الإيديولوجيات الأخرى بالولاء، ولكن الطرائق مختلفة. ونشاهد الآن سقوط الثقافة السلطوية التي روج لها المثقف الحزبي التابع، سقطت عندما سقطت أنظمتها السلطوية، مما ولد أطنان من الورق الثقافي السلطوي، ورميت بسلة النفايات غير مأسوف عليها.

الديمقراطية لا يصنعها المثقف، بل العكس ساهم المثقف بشكل كبير في بلدان عديدة بترسيخ ثقافة الاستبداد والاضطهاد، من خلال ما ذكرناه في أعلاه. (اتحاد الأدباء العرب) مثلاً، هل هو مؤسسة مستقلة؟ لا يمكن أن تكون مستقلة في بلداننا العربية، طالما يسرها رأس المال السلطوي، ولابد من الاعتراف بهذه الحقيقة.

الديمقراطية يصنعها السياسي الحقيقي، الذي درب نفسه على قبول الآخر والإصغاء إليه، عندما لا يحول اختلافه معه إلى هدايا رصاص كاتم الصوت، عندما يقر دستورياً باستقلال الثقافة والمثقف. أوربا رسخت ديمقراطيتها بعد أن استقلت من كل أشكال التسلط الديني والحزبي الضيق، مصلحة المجتمع فوق كل الولاءات. لابد من إعادة هيكلة النظام التربوي والتعليمي وإشعاع ثقافة التسامح وتقبل الأخر فيه، وهذا لابد أن نعمله الآن لتحصده الأجيال التي تأتي لاحقا. يلعب المثقف دوره النهضوي متى ما تخلص من عقلية التابع. ومتى ما تخلصت الثقافة من رأس المال السلطوي، ستشغل مساحتها الحقيقية داخل المجتمع وعندها ستكون ثقافة صادقة ومؤثرة، لا تابعة.

 مخرج وناقد مسرحي عراقي.

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012