الثلاثاء, 14 أيار 2013 14:45

مدينة الفنون والثقافة بأسفي ... رهان تاريخ وحلم جيل

كتبه  مراد بلمودن

1- رهان تاريخ:

منذ أمد بعيد وتاريخ الفنون بمدينة أسفي يعيش مدا وجزرا بين طموحات رواد ولجوا الفنون من زاوية العشق المهووس بالهواية لتأسيس منطلق ثقافي تمفصلت فيه تضاريس الجسد بشغب الكتابة.

لقد عاشت مدينة أسفي استعارة باذخة يمكن وصفها بمدينة الفنون على مستوى الحلم والرهان، لكن التاريخ بإيقاعاته المتسارعة لم يفسح المجال للرعيل الأول -الذي حمل على العاتق هم التدبير لمختلف المجالات الفنية ولو على صعيد الجغرافيا- قلق الأمكنة.

وفي ظل هذه الوضعية المتنافرة بين تاريخ يشبه الكائن ورهان يشبه الممكن، عرفت مدينة أسفي حركية ثقافية أسست لأفق متنوع سواء في الأدب والثقافة أو المسرح أو غيرها من أشكال الفنون والفرجات التي أنجبت ثلة من المبدعين العصاميين والذين خلّدوا مدينة أسفي داخل وخارج أرض الوطن. 

إن الفن عموما لا ينطلق من فراغ، وإنما من وعي متجذر لدى الإنسان بمحيطه وواقعه، فيحوله إلى وسيلة للتعبير عن قضاياه.

تلك مرحلة أرخت سبقا للمدينة على مستوى التاريخ، فأعطتنا جيلا رفقة مدينة بكاملها سطرت بمداد الفخر على أنها جغرافيا الفنون المتنوعة. 

حقا، فمدينة آسفي لا تعيش بالخبز والسردين، وإنما تتنفس برئة الثقافة وحب الرياضة والفنون. لكن قدرها في مرحلة سابقة من تاريخ المدينة انتكاسة على مستوى البنيات التحتية، فكانت دار الشباب علال بن عبد الله على موعد مع معاول الهدم التي دكتها مع الأرض، وبقيت صورتها واقعا مرا في ذاكرة أجيال و"أولادها وبناتها"، وتوالى مسلسل الهدم ليشمل معلمة أخرى بنيت هذه المرة من طرف بحارة أسفي ونعني بها النادي البحري الذي كان هو الآخر بمثابة متنفس لساكنة المدينة .

قدر ليس كالأقدار، لكنه واقع حول المكسب إلى مطلب والحقيقة إلى خيال. وانحسر الإبداع الفني من ثقافة ومسرح ورياضة وترفيه إلى بيانات وشكاوى وتظلم ضد معاول بلا ذاكرة. ومع ذلك ظل الحلم يكبر ويزداد حجما باتساع قاعدة المثقفين والمبدعين والفاعلين الجمعويين عبر تأسيس كيانات صحفية ومسرحية وجمعوية طالبت بجبر الضرر الذي لحق هوية المدينة وتعويض ما تم هدمه، لكن مع كامل الأسف بقيت أصوات الاحتجاج مجرد صيحات في واد.

2- حلم جيل:

ظلت أجيال مدينة أسفي تناضل على مختلف الأصعدة لتحقيق حلمها من منطلق قناعات تؤمن بأن لا وجود لنهضة فنية في غياب مؤسسات حاضنة، ورغم تقادم مطلب توسيع قاعدة الفضاءات لاستقبال العروض الرياضية والفنية، وإعادة تأهيل المتوفر بالمدينة، ظل الحلم يراود طموح الشباب ومختلف الفاعلين لخلق دينامية ثقافية من خلال مطلب توفير وتشييد فضاءات في المستوى المطلوب. 

حقا لا يوجد واقع بدون حلم، ولا ثقافة بدون فضاءات وأمكنة، والشعب الذي لا يتوفر على قاعات وفضاءات ومسارح وملاعب، هو شعب لا فرق بينه وبين القطيع. والأمة التي تضيع مثل هذه الفرص يلفظها التاريخ، وتغدو في عداد الموتى. فلا جيل بدون حلم، ولا حلم بدون إصرار يتدرج حد الهوس ليصبح حقيقة يذكرها التاريخ.

في خضم هذا الطموح لم تتوقف حركة الثقافة والفنون بأسفي، بل ظلت ترد على المسؤولين بإنتاجاتها المتنوعة لتحسيس ذوي الاختصاص بأن حجم المدينة بحاجة إلى نهضة عمرانية فنية تواكب الساكنة وحاجياتها الأساسية.

حلم جيل بصيغة التعدد قد يتحقق بتوفر إرادة سياسية تسعى لموازنة التدبير اليومي بالتدبير الثقافي، وترقى إلى مستوى اللحظة التاريخية التي أصبحت تفرض فيها حضارة العولمة والاختراق نفسها على مختلف الشعوب والأمم، وقد لا تتحقق بتحويل الحلم إلى يأس قاتم . وبالتالي تطغى ثقافة المادة على ثقافة القيم والروح التي لا تترسخ في كيان الأمة إلا بوجود جيل يحلم وقيادة تتفهم داوعي الحلم الذي يصبح عنصرا أساسيا من عناصر صناعة التقدم .

3- مدينة الفنون والثقافة بأسفي:

مدينة خرجت من رحم مدينة تختزل مختلف مكونات الفعل الإبداعي الذي راهنت عليه حساسيات فنية متنوعة، عبر تاريخ طويل من الانتظار.

حلم تحقق أخيرا في حجم مدينة تعشق الفنون والثقافة، لكنه يظل رهينا بتدبير محكم بوضع الإطار المناسب في المكان المناسب.

أملنا أن تحافظ المدينة بمختلف ساكنتها وأطرها على هذا المكسب، وأن تحوله إلى قاطرة للتنمية الثقافية، من خلال فتح المجال لجميع الفعاليات والحساسيات، لتحقيق رغبة وطموح الشباب المتعطش للممارسة الفنية والثقافية، وتجسيد حلم جيل ورهان تاريخ على أرضية الواقع.

لا يسعنا هنا، ونحن على وشك الختم، إلا أن نصفق بحرارة لهذا الإنجاز التاريخي الذي يجب أن تواكبه بالمقابل حركية في الإبداع، لتضفي على فضاءات مدينة الفنون والثقافة طابع الدينامية التي لابد منها لإعادة الروح لخصوصية المدينة. كما لابد من التأشير هنا، في السياق ذاته، على باقي المنجزات الأخرى التي ستحول مدينة أسفي ، لا محالة، إلى قبلة ومتنفس لكل الفنون والثقافات على الصعيد الوطني .

منجزات طموحة نتمنى لها الاستمرار والخلود، ونتمنى لكل من ساهم في إخراجها إلى حيز الوجود مزيدا من العطاء والتوفيق.

 

 

 

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012