الأحد, 19 كانون2/يناير 2014 13:18

النقد المسرحي العربي ومشكل التقليدانية

كتبه  د. جواد رضواني⃰

إذا ما ألقينا نظرة سريعة حول شكل النقد الموجود في الساحة العربية اليوم، وبالخصوص النقد المسرحي، وجدنا أنه يحمل صفة الكلاسيكية والمحافظة بشكل عميق. ورغم الادعاءات الأولية التي غالبا ما تُفتتح بها جميع أنواع المقالات والبحوث النقدية، سواء تلك التي تسرد تاريخ المسرح القومي/العربي، الوطني/الدولي، أو حتى تلك التي تحاول أن تسلط الضوء على إحدى الإبداعات المسرحية واستقراء مضمونها إيجابا أو سلبا، وجدنا أنها، رغم محاولاتها المضنية من أن تتخلص من التقليد النقدي القديم ومن مفهوم نقدي تقليدي، لا تعدو كونها عملية لوك واضحة لنماذج مُحافِظة قديمة لا تنفض غبار التقليد عن نفسها إلا زعمًا.

فما السبب؟ وما هي آفاق تجاوز هذه العقدة لدى الناقد المسرحي العربي؟ في الواقع، وهذا المقال نقدي أيضا ويمكن أن يسقط هو نفسه في فخ التقليدانية، هو أن العديد من الباحثين، والدارسين، والممارسين، والمهتمين، بالمجال المسرحي لازالوا بعيدين جدا عن العمق الثقافي والاستيطيقي للبعد النقدي الحقيقي الخاص بفنون الفرجة. وهذا راجع أصلا إلى نوع من الاختلاف الثقافي الذي تتشكل من خلاله البنية/التكوين المعرفي العام للناقد العربي، سواء أكانت هذه المعرفة شعبية أم أكاديمية، الذي يفهم المسرح، والممارسة المسرحية، وعالم الفرجة، والنقد المسرحي من خلال منظوره هو الذي لا يمكن أن يتخلص منه أو يدعي بُعده عنه في أي حال من الأحوال، والذي هو نتيجة تكوين داخل بيئة، أو منظومة ثقافية، لا تفهم الفن وغيره من الأشياء إلا من زاوية معينة ومحتمة سبقا ولا تعرف النقد، كنتيجة حتمية لا مفر منها، إلا من جانبه "الانتقادي" فقط.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، استطاعت قلة فقط أن تنجح في فهم واستيعاب الدرس المسرحي/الفرجوي العام. وقامت، بعد ذلك، تطلب نهضة مسرحية/فرجوية في العالم العربي مستعينة بالأدوات والوسائل المتاحة. لكنها، لا تكاد تنطلق حتى تصطدم بواقع تقليداني يأبى التقهقر من أجل السماح للتحول الثوري المنشود، سواء على مستوى فهم الفن المسرحي، انجاز وإبداع فن مسرحي، أو نقد المسرح وأدائه ككل، لكي يأخذ مكانه. ومن الأمثلة على ذلك كثير، إذ يحاول في يومنا هذا العديد من الباحثين أن يتجاوزوا عقدة التقليدانية بمحاولة التعريف بإبداع مجتمعاتهم الفرجوية لدى الآخر بينما يحاولون في نفس الوقت ايصال نوع من الوعي الثقافي الجديد الذي يملكه هذا الآخر إلى الباحث العربي التقليدي من حيث تكوينه الثقافي، وبنيته الابستيمولوجية، وسلوكه الطبيعي اللاشعوري الذي يأبى إلا أن يعبر عن مكنونه ككائن مركب وفق تشكيلة ثقافية/معرفية/خلقية معينة.

ويمكن أن نلاحظ هذا النوع من التفكير/العمل النقدي التقليداني بالملموس حتى لدى مجموعة من النقاد المسرحيين الذين درسوا لدى الغرب، أو تعلموا فنون المسرح على يد غربيين، أو يشتغلون بأدوات إنتاج مسرحية غربية، أو يحاكون إبداعات نقدية غربية. فهم أولا لا يستطيعون أن يدركوا وجودهم وتسلسلهم التاريخي الفني إلا من خلال تاريخ شخصي، وآخر عام، من تأليف الغرب نفسه. ثانيا، يمدهم الغرب، في يومنا هذا، بجميع وسائل الإنتاج الفنية من النظرية حتى التطبيق. ثالثا، لا يملكون لا أرشيف فني ولا تاريخ نقدي خاص بهم، ويعتمدون، أو اعتمدوا دائما، على الغرب من أجل أرشفة تاريخهم الفني وجمعه. وأمثال هؤلاء كثر، ومن السهل جدا اقتفاء أثرهم بمجرد قراءة مقدمة بعض مقالاتهم/أبحاثهم المتواضعة التي تفهم أن النقد في أصله "انتقاد" ليس إلا، وهذا هو الخطأ القاتل الذي يعشش غالبية الأقلام التي تكتب وتالف في مجال النقد المسرحي ولا تعي الدرس الأصلي من وراء النقد ولا تفهمه إلا كنوع من العنف الفكري والفني الممارس تجاه عمل آخر.

كما يبدو، يُفهم النقد المسرحي في البلد العربي على أنه انتقاد، ورغم محاولة التستر المستمرة تحت غطاء الموضوعية، النزاهة، صفاء القصد، تُصر جميع الكتابات تقريبا، من خلال قراءة عميقة لمضمونها، إلا أن تكون انتقادا في شكل جديد لا تكاد تمر عليه مدة وجيزة حتى تنكشف وتتحدد معالم توجهاته الانتقادية. وإذا كان الأمر على هذا الشكل، فما الحل إذن؟ الحل غير متاح اللحظة إلا إذا تقرر عنوة تجاوز التقليدانية وتم فهم النقد كفن ليس بالضرورة أن يوجه سهامه تجاه أي شيء آخر بقدر كونه محاولة استطلاع، وفهم، واكتشاف لإمكانات جديدة تتخذ الوجود العام لظاهرة ما (فنون الفرجة في حالنا هذا) كموضوع تأمل. لكنه يبقى المشكل هو أن فاقد الشيء لا يعطيه. إذ كيف لذي تكوين ثقافي معين أن يدرك الأشياء على نحو غير الذي يراها هو عليه. فهي، أصلا، لا تتشكل أمامه، من أول لحظة، إلا من خلال منظار تكوينه الشخصي الثقافي التقليدي الذي غالبا ما ينخدع هو نفسه به ويتبادر إليه أنه السبيل الوحيد لفهم الظاهرة المسرحية/الفرجوية عموما؟

لكن، يمكن، كبداية، ومن أجل تجوز حالة العقم المنتشرة في ميدان النقد المسرحي العربي، أن نأخذ مثالا بسيطا من نماذج غربية في مجال النقد. وبعيدا عن التلويح بمفاهيم لنقاد غربيين كبار في مجال المسرح من أجل الإيهام، دعونا نتناول مثال البروفيسورة الألمانية إريكا فيشر ليشته في كتابها "نحو جماليات جديدة في مجال الفرجة". فرغم كون هذا الكتاب صار يُعتمد كأحد أبرز المصادر في مجال النقد المسرحي المعاصر، إلا أن فكرته تنطوي على فرضية بسيطة جدا مفادها أنه "لا يمكن للباحثين في مجال المسرح ولا للمسرحيين أنفسهم أن يحققوا تقدما، وتطورا، وديمقراطية فنية، ونقدية إلا من خلال اعترافهم بأن المسرح الدولي أو العالمي، في وضعه الآني، هو نتاج عملية تناسج ثقافي طويلة تاريخيا جمعت إبداعات مختلفة قادمة من الشرق والغرب والشمال والجنوب." و بأنه "ليست هناك عملية "مثاقفة"، لأن الكلمة تحمل من الدلالات الاقصائية ما لا يمكن القبول به في عالم فرجوي/مسرحي ما بعد كولونيالي عادل، ويمكن الاستعاضة عن ذاك المفهوم بمفهوم أكثر إقرارا لمبدأ التضامن، والتكتل، والتعاون، والتكافل، والتلاقح المتساوي الذي هو "التناسج الفرجوي".

وهكذا، انكب مشروع بأكمله من تمويل إحدى الجامعات الأوربية، الألمانية بالخصوص، بإنشاء مركز أبحاث خاص بالتناسج الثقافي المسرحي استدعى مجموعة من الباحثين الدوليين المشهورين في عالم دراسات الفرجة للبحث والتنقيب في هذا المجال من الدراسات لإفادة المجتمع الدولي المهتم بفنون الفرجة خصوصا، والفن عموما. ونجد هنا أن الباحث المغربي، الدكتور المدرس للدراسات المسرحية بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، الأستاذ خالد أمين، قد انضم إلى هذا المشروع منذ مدة، ليستفيد ويفيد بهذا الخصوص. ومن بين منجزات هذا الباحث المغربي عقد عشر دورات لندوة دولية عنوانها طنجة المشهدية، تحت إشراف المركز الدولي لدراسات الفرجة، الذي هو رئيسه. بحيث استدعى المركز على طول الدورات السابقة قرابة ألف باحث من حول العالم في مجال دراسات الفرجة، وعرف بتاريخ، ومفهوم، وأشكال الدراماتورجيا العربية على نطاق واسع لدى الغرب، وساهم في تكوين عشرات الأساتذة، والباحثين، والمهتمين الناشئين العرب الذين كان يدعوهم طوال هذه المدة للاحتكاك بنظرائهم الغربيين والاستفادة من خبراتهم في المجال. كما أنه طبع حوالي ثلاثين مؤلف في مجال الدراسات المسرحية.

نتعلم، من إريكا فيشر ليشته، التي حضرت ندوة طنجة المشهدية كذا من مرة، وحرصت على إرفاق عدد من طلبتها والأساتذة الباحثين الغربيين معها إلى المغرب من اجل الاستفادة من المغاربة، والجزائريين، والتونسيين، والمصريين، والأفارقة، والمشارقة كذلك، دون أن تدعي خلال جميع مداخلاتها امتلاك المعرفة أو توجيهها لأي انتقاد لأي كان، آداب النقد وكيف يكون النقد بناءا وليس هدما. لقد حرصت، وهي مثال بسيط فقط من بين المئات، هي والعديد من الوجوه المعروفة دوليًا في مجال دراسات الفرجة، مثل مارفن كارلسون، روستم باروتشا، كابرييل براندستيتر وآخرين، على الإنصات لجميع المداخلات الأكاديمية، ومتابعة كل العروض الفنية، والاجابة عن جميع أنواع الأسئلة الموجهة إليهم بتواضع معرفي واضح، مع الإشارة إلى أن إريكا فيشر (وغيرها) لم ينتقد أبدا، سواء من هنا (المغرب) أو من هناك (أوربا) أي تجربة فرجوية أو مقال نقدي سواء غربي أو شرقي بقدر ما احترمت جميع الآراء والإبداعات بل ودافعت عنها وعن غناها وإغنائها الجميل للمشهد الفني الدولي العام. ومقابل ذلك، كانت تحرص دائما على الرقي بالفن المسرحي، نظريةً وتطبيقًا، إلى أسمى المراتب من خلال محاولات بناء الصرح المسرحي "الدولي" و "الوطني" (الخاص بثقافات تعرفت عليها) معا بروح "حضارية" لا مكان للتقليدانية السلبية فيها.

وهذا الطابع، كما يتبين، وكي لا ننكر بعض الحقائق، يتميز به العديد من الباحثين العرب الذين وعوا إلى حد ما ضرورة فهم النقد المسرحي الخالص على وجه بعيد عن التقليدانية. وصاروا، رغم الانتقادات الكثيرة التي تحيط مجال اشتغالهم وإبداعهم، يقودون الحملة التغييرية التي تحاول اجتثاث الناقد العربي من براثن التقليد، في محاولة لتعليمه السير على درب البناء الفكري والفني الذي يكون عن طريق النقد الأكاديمي الصحيح بدلا من "الانتقاد السلبي" الذي يؤذي الجسد المسرحي والفني العربي أكثر مما يساعد على تجاوز مرحلة العقم النقدي والإبداعي الذي لا يمكن لأحد أن ينكر تجليه من خلال أزمة فكرية وجمالية تقطع الطريق أمام كل محاولات تجاوز التقليدانية والنهوض بفنون الفرجة التي هي أحد أكثر الفنون تجاوبا مع الشارع العربي العام وتعبيرا عن حاجاته.

⃰   باحث وناقد مسرحي، المغرب.

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012