الإثنين, 10 آذار/مارس 2014 09:34

التجربة المسرحية العربية ما بعد الكولونيالية: حدود ومحددات (2)

كتبه  د. هشام بن الهاشمي⃰

وعلى المسار نفسه، سار الطيب الصديقي. فبعد أن أبان عن فهمه العميق للتقاليد المسرحية الغربية، انتقل إلى مرحلة التجريب والعشق الصوفي للتراث. وهو الأمر الذي أفضى إلى تأسيس انعطافة حاسمة في مساره المسرحي، ممثلة في التوجه إلى التراث لاستنطاقه. فكان مشروعه التأصيلي في مغرب ما بعد استعماري. ولعل أهم ما ميز مساره التأصيلي هو: جرأته في التمرد على التقليد الفني الغربي، من خلال تقديم عروض مسرحية في ساحات عمومية، وفي حدائق كبرى بمراكش، والصويرة، والرباط، والدار البيضاء بغية وصل الممارسة المسرحية بالحياة اليومية، حتى يصير الفن المسرحي شيئا مألوفا عند الناس. ومن هنا فكرة تسمية فرقـته بـ"مسرح الناس".

إن عودة الصديقي إلى الحلقة - ¬بوصفها شكلا فرجويا منغرسا في الوجدان الجمعي العربي وذاكرة شعبية صاغت الهوية السوسيوثقافية الخاصة-¬ رؤية فكرية طامحة إلى الانفلات والتحرر من النزوع الهيمني الغربي لفرض الاستقلالية الفنية والاعتراف بممارسات مهمشة ومنسية وإظهار الهوية التي عملت الممارسات الاستعمارية على طمسها وتشويهها.

لقد شكل تعامل الصديقي مع الحلقة، وتوظيف مختلف آليات اشتغالها، ونقلها إلى البناية المسرحية بداية التناسج الفني الخلاق في مسرح مغربي لم يعد تقليدا للمسرح الغربي ولا شكلا ما قبل مسرحيا، وإنما متموقع في مفترق الطرق يمزج بين الأنا والآخر والشرق والغرب والتقليد والحداثة والثقافة الشعبية والثقافة العالمة. فإعادة الاعتبار للتقاليد الفرجوية لا يشير إلى الإعلاء من شأن الخصوصية الذاتية، والإغراق في المحلية، والتشبث بوهم الهوية الفنية الخالصة، إذ جمع الطيب الصديقي بين المحلي والوافد من الغرب مؤسسا بذلك فضاء التناسج الثقافي. فقد توصل إلى إيجاد صيغة درامية تعكس الهوية المغربية عبر تشكلاتها الفرجوية وأبعادها الحضارية دون أن تقطع صلتها مع المسرح الغربي.

وإذا كان الصديقي قد وظف الحلقة باعتبارها شكلا تعبيريا شعبيا ليضفي طابع الاحتفالية على مسرحيته، فإنه من هذا المنحى قد أعاد المسرح إلى شكله القديم حين كان الجمهور يشارك مشاركة جماعية في العمل المسرحي ليتحقق الاتصال الحميم بين الممثلين والجمهور، حتى يصبح المسرح طقسا احتفاليا على غرار "كروتوفسكي Grotowski" الذي أفضى التقارب الفيزيقي بين ممثليه وجمهوره إلى خلق نوع من الانصهار والالتحام، ليتحول العمل المسرحي عنده إلى طقس يحل محل الطقوس الشعبية والدينية القديمة، يقول كروتوفسكي: «الطقس هو ضرب من ضروب العرض المسرحي، وهو فعل قائم بذاته، وأنا لا أسعى إلى اكتساب شيء جديد، بل إنني أميط اللثام عن حقيقة طواها النسيان، حقيقة قديمة، ترجع إلى العهد الذي لم تكن قد ماتت فيه الفوارق بعد بين الفنون» .

لقد تم نقل الحلقة بوصفها موروثا شفويا إلى عالم الأدبية من جهة، والممارسة الدرامية من جهة ثانية، بعد مرحلة التبني السلبي للنموذج المسرحي الغربي، إنه الوضع الجديد للحلقة في تحد مباشر للهيمنة الفنية الغربية، إذ انفتحت على الوافد الغربي وأخذت تتفاعل معه، فأغنته واغتنت به وغذته وتغذت منه، فلم تعد شكلا فرجويا ولا تقليدا للتقليد المسرحي الغربي. فإذا كان الإقصاء الاستعماري أفضى إلى تحنيط الحلقة بوصفها فلكلورا، ومؤشرا دالا على مغرب عتيق وجب تجاوزه، فإن الصديقي عمل على إضفاء طابع الحركية عليها بنقلها إلى البناية المسرحية، وأفق المعالجة الدرامية المنتجة. فقد استطاع إزالة الغبار عن الحلقة، فأدخالها مختبر العمل المسرحي الوافد من الغرب، محققا بذلك تناسجا مسرحيا في مغرب ما بعد استعماري.

لقد شكل الإقرار بالاختلاف الثقافي والتعدد الفني - نكاية على التصور المركزي الغربي الذي يعتبر الغرب محور العالم ومركز الثقافة والفن- نقطة الصديقي المحورية في محاولته تأسيس مشروع مسرحي مغربي. وراهن في تحقيق هذا المشروع على نقل التقاليد الفرجوية المغربية إلى البناية المسرحية، وجعلها مطابقة لأسئلة الواقع الراهن، ومنصهرة مع التجارب المسرحية العالمية، دون أن تفقد خصوصيتها وتفردها.

إن التقدير والاحترام الذي يمنحه الصديقي للتراث- الذي داوم على قراءته حتى أدمعت عيناه- مجرد جزء من أشكال تعيين الهوية، مادام إعادة إبراز الماضي على مسرح الحاضر ما بعد استعماري، إنما يُدرج إلى جانب إحياء التراث ثقافات أخرى مغايرة وافدة من العالم الأخر. و تَحُول هذه الإستراتيجية دون الانغلاق في هوية فنية قارة وأصيلة. فالاختلاف الثقافي لا يفيد التباين والصراع، بل الاندماج والتفاعل والتشابك، «فلا ينبغي التسرّع في قراءة تمثيل الاختلاف على أنّه انعكاس لخصائص إثنية أو ثقافية متعيّنة مسبقاً ومدوَّنة في لوح التراث المحفوظ» .

وإذا كانت الإستراتيجية الاستعمارية هدفت إلى تغريب السياق الثقافي الفني، بفرض النموذج الغربي شكلا ومضمونا، فإن الصديقي يقاوم هذا الاغتراب بالعودة إلى المحلي المنبثق من الثقافة العربية. ولأن المقاومة ليست فعلا معارضا ذا قصد سياسي ولا هي نفي أو إقصاء لثقافة الآخر الغرب، فقد شيد الصديقي مشروعه المسرحي من خلال النهل من ينابيع التراث والاستفادة من الوافد الغربي. وهو ما أفضى إلى إنتاج خطاب مقاوم لا يلغي الثنائيات الديالكتيكية من قبيل: الشرق والغرب، والشمال والجنوب، والأنا والآخر، بل يتطلع إلى ديالكتيك دون تعال أو فوقية تنم عن مركزية مهما كانت سمتها عربية أو غربية، عبر المزج المثمر بينهما. لنكون بذلك «أمام هجنة (...) تقاوم أيّ اختزال، وأمام سيرورة مزدوجة من المقاومة تشتمل على المقاومة تشتمل على مقاومة الآخر بوصفها تنكّراً، ومقاومة الذات لرغبتها الخاصة الرامية إلى الاستقطاب والنقاء، هذه المقاومة التي يخلقها أثر الآخر الذي لا تستطيع الذات محوه من ذاتها. وبذا لا نكون أمام علاقة بين «ذات» ولا «ذات» مفصولين واحدهما عن الآخر فصلاً سحرياً» .

ولا يتحقق الانفلات من الثنائيات الموهومة والتقسيمات التراتبية الموشومة في الفكر والوعي الغربيين، باعتناق مضاد عبر ابتداع هوية نقية وصافية وأصلية، لأن المقاومة الثقافية -¬بوصفها مشروعا فكريا متكاملا- تتعالى على التناقضات والتقسيمات، لتعانق الماضي والحاضر، والأنا والآخر. ولذلك سعى الصديقي انطلاقا من تعامله مع أدق خصائص الحلقة والبساط، إلى «استحضار الماضي بوصفه سبباً اجتماعياً أو سابقة جمالية، بل يجدد الماضي، ويعيد تصويره كقضاء «بينيّ» عارض (...) وبذا يغدو «الماضي- الحاضر» جزءاً من ضرورة العيش لا من الحنين» .

لقد اخترق الصديقي آفاق التراث وفق قناعة فنية أساسها: مسرح عربي الصيغة وعالمي الأبعاد، رغم أن ينابيعه المعرفية والجمالية تنحدر من أصل عربي. فقد قدم مجموعة من الأعمال المسرحية التي تستلهم الأشكال التراثية الشعبية في نوع من المصالحة الفنية مع بعض الاتجاهات المسرحية الغربية ذات التوجه الشعبي. فقد أبرز قدرته الإبداعية الكفيلة بتطويع الأشكال الشعبية لخدمة العرض المسرحي. لكنه توقف عند حدود المدلول السطحي للاحتفال الذي يجسده الغناء، والتراتيل، والرقص، والأزياء، والألعاب البهلوانية...فهو ينظر إلى التراث الفني من منظور الاستشراق الجديد، حين يبحث عن الغريب، والعجيب، والمثير، والمدهش في التراث، أي عن كل ما يمكنه أن يبهر الغرب، ويرضي فضوله.

ولأن الغرب ذو نزوع إمبريالي، ويهدف إلى بسط هيمنته الفنية، فقد تبنى الصديقي نهجا مقاوما من خلال إيجاد شكل فني بديل، تمثل في بعثه لمشروع المسرح المحكي، من خلال اعتماده السرد كآلية بديلة للبناء الدرامي التقليدي، إضافة إلى استلهام فضاء الفرجة المفتوحة. غير أنه حصر اهتمامه في إبهار الغرب عبر التركيز على مظاهر غرابة العرض المسرحي. لذا فرغبته «لا تختلف عما نجده في كثير من الكتابات ذات الطابع الفولكلوري السياحي، لأنها تريد أن تبهر الغرب بما يملكه الشرق من مظاهرات ذات الطابع الغرائبي كالشعودة والدجل والظواهر الشعبية التي يرى فيها الغرب مظاهرات بدائية فقط» .

تتسم الأعمال المسرحية للطيب الصديقي بالطابع السياحي، وكأن غايته هي إرضاء الغرب وإبهاره بما يملكه الشرق السحري والعجيب من مظاهر خارقة، لنكون أقرب إلى عوالم ألف ليلة وليلة وأجوائها السحرية والمخملية. وهو ما يدعّم التمركز الغربي ويبرر تصوراته حول الشرق. وهي الصورة التي تعتريها تشوهات، إذ يظل الشرق في مسرحيات الصديقي مجرد فضاء للمتعة والتسلية. ولذلك فالتأصيل يقف عند حدود الإطار الجمالي ولا يتعداه إلى التأثير الفكري والمعرفي. فمسرحيات الصديقي من خلال مؤثثاتها الركحية العديدة من قبيل: الملبس التقليدية الفضفاضة، والأناشيد الصوفية، والملحون والموشحات، والرقص الشعبي... تذكرنا بالفضاء الشرقي وملامحه الخاصة، مما يخلق انطباعا روحانيا قريبا من الاحتفالات الشعبية العامة.

وفي السياق نفسه، أعادت الاحتفالية النظر في الكثير من المسلمات الجمالية من قبيل: البناية المسرحية. فأصبح الحفل المسرحي يمارس في الساحات العامة، والأسواق، والمآثر التاريخية. فالمسرح في حقيقته أوسع وأرحب من أن تحده جدران. وتستند هذه الدعوة على التصورات الدينية، والفلسفية، والاجتماعية للمجتمع العربي. فإذا كان الشعب العربي يميل إلى التجمع والتقارب.. فإن المنظور الاحتفالي قد أدرك هذه الميزة وعمل على استثمارها واستقرائها، حتى تصبح رؤية مخصبة للفن المسرحي الذي وجب أن يكون مرتبطا ارتباطا وثيقا، بمظاهر اجتماعية ذات جذور عميقة في التربة العربية.

وينسجم رفض الاحتفالية للخشبة الايطالية مع رغبتها في خلق مسرح شعبي، يعانق قضايا الناس في الأسواق، والساحات، والمداشر على غرار المبدع الشعبي. فالتحرر من البناية الايطالية ليس تحررا شكليا، بل يحمل في ثناياه عمقه ومغزاه. ويتحدد هذا العمق في تحرير الفكر العربي من الرواسب الاستعمارية ومقاومة نزوعها الهيمني. ومن هنا كانت دعوة الاحتفالية إلى تقديم العروض المسرحية في الأفضية الفسيحة، لأن الخشبة الايطالية تصادر الإبداع، وتخضع الممثل لهندستها ومعمارها الركحي. 

ففي مسرحية "يا ليل يا عين" تجري الأحداث في «ساحة فارغة هي جزء من جسد مدينة راقية، وعند هذه الساحة تلتقي مجموعة من الطرق، والتي تأتي من أحياء سكنية مختلفة من المدينة في الخلف، وعلى بعد بعيد، تلمح أضواء باهتة تمثل أحياء صفيحية فقيرة غارقة في الصمت والظلام» . وهذا ينسجم مع المبادئ والتوابث التي حددتها الاحتفالية، بوصفها «دعوة للانفلات من رتابة العادة، ومن ثبوتية الأفكار الجامدة، ومن وثوقية الأذهان المغلقة، ومن سكونية القوالب اللفظية المحنطة، ومن تكرارية المقولات اللفظية الجاهزة» . فما دام الفن متغيرا، ومتحررا، ومنفلتا من سلطة الأشكال وجبروت القوالب الجامدة، صار لزاما رفض البناية القارة.

وإذا كان برشيد قد افترض شكلا هندسيا خاصا، لا يتقيد بمواضعات القاعة الايطالية بحثا عن علاقة حميمة بين الممثل والتلقي، انسجاما مع اعتبار المسرح عيدا جماعيا يرتبط بالساحات، والأسواق، والمواسم¬، فإنه في هذا السياق يتصل بالذاكرة الثقافية العربية ويرتبط بها ارتباطا وثيقا. يقول برشيد كاشفا هذا المعطى «"فإذا كان الإنسان الأوربي/ الأمريكي يسعى إلى إلغاء المنصة الإيطالية فلأنه قد أقامها في يوم من الأيام، أما بالنسبة للمسرح العربي فإن الأمر يختلف. فنحن لم نضع ولا شبه منصة. ولذلك، فقد أمكننا أن نقول: ما حاجتنا لالغاء شيء ليس له وجود أصلا؟ لقد أقمنا احتفالاتنا الشعبية في العراء بين الناس ومع الناس. أقمناها في الساحات والأسواق والسرادق والخيام وفي المقاهي الشعبية. لقد كان مسرحنا دائما خارج المسرح، وهذا هو نفس ما يريده المسرح الحديث، أي التحرر من بناية بالية وعتيقة» . 

لقد استطاعت الاحتفالية خلق مسرح منفتح ويطمح إلى الإنسانية. فهي تؤسس هوية منفتحة ولا تتمسك بخصوصية منغلقة تعادي التواصل الفني والحوار الثقافي، ما دامت قد انفتحت على المدارس الغربية في تعاملها مع الأشكال الفرجوية التراثية وبلورتها بطرق فنية مستساغة، وما دامت قد عكست وعيا فنيا وثقافيا لمجتمع مغربي ما بعد استعماري، وما دام الآخر حاضرا بشكل بارز وفعال. وهو ما يؤكده برشيد قائلا: «مثل هذا التأكيد على الذات، لا يمكن أن يكون اعتداء على الآخر، كما أنه لا يمكن أن يكون تهربا من التلاقي والحوار ومن التداول المشروع للمعلومات والمعارف والفنون والتجارب» .

ولأن الاحتفالية انفتحت على العمق التراثي العربي المشكل للهوية، وفي الوقت نفسه حاورت التجارب المسرحية العربية والغربية، فإنها من هذه الزاوية تتأرجح بين التغريب والتأصيل: أي بين المثاقفة الفنية واعتماد عناصر تراثية أصيلة. بمعنى أن الاحتفالية قد مزجت مزجا ثريا بين التقاليد المسرحية الغربية المستوحاة من روادها الكبار أمثال: بريشت، وأرطو، وكورتوفسكي...، والآليات الفنية التي تزخر بها الذاكرة الثقافية العربية، مما أفضى إلى ممارسة مسرحية يتداخل فيها الغرب والتراث. 

وإذا كانت الاحتفالية، قد حاورت المسرحي الغربي، فإنها من هذه الزاوية تقع بين عالمين: شرق وغرب، وشمال وجنوب...، أي إنها مسرح هجنة ثقافية بامتياز. فالاحتفالية "وعلى عكس ما قد يظن البعض- لا ترفض المسرح الغربي، ولا يمكن أن ترفض أي إبداع، أدبي أو فني أو علمي، يمكن أن تتمثل فيه عبقرية الإنسان، ويكون أيضا معبرا عن قضايا الانسان الوجودية الحقيقية، وتكون أبعاده وآفاقه كونية وشاملة، وغير غارقة في المحلية والجهوية» . 

وضمن هذا السياق، يعتبر المسرح الاحتفالي رؤية تصحيحية لطبيعة المسرح العربي. وهي رؤية تتجاوز السلفية التي تنغلق في الماضي، وتدافع عن وهم الصفاء والأصل الذي يحصر في التراث. بل وتتجاوز في الآن نفسه النظرة الاستشراقية التي تدافع عن تمركز الذات الغربية. فالاحتفالية «تؤمـن بالآخر، عندمـا لا يكون سيدا، وهي تتعامل مع التيارات المسرحية الأخرى، ومع تجاربها وأسمائها، عندما لا تكون عدوانية مستبدة، وعندما لا تردد المقولة التالية:

¬ ومن يبتغي غير المسرح الغربي مسرحا فلن يقبل منه..» .

ولم تقتصر عملية التواصل الثقافي على الجوانب الفنية والجمالية، بل تعدته إلى الجانب التيماتي. فقد مدّ عبد الكريم برشيد جسور التواصل مع الذاكرة المسرحية الغربية، ليس فقط على مستوى تأثيث النص الدرامي بفنيات حديثة ميّزت المسرح الغربي ومَزْجِها بالموروث الفني العربي، وإنما استفاد أيضا من عوالم المسرحيات الغربية في تشييد الكون المسرحي. فقد مارست المواضيع المسرحية الغربية سحرها وجاذبيتها على المخيلة الإبداعية لعبد الكريم برشيد الذي عمل على تطويع تلك المواضيع، لتنسجم مع البيئة الثقافية العربية من خلال استحضار خصوصياتها الاجتماعية والسياسية.

فإذا كان عبد الكريم برشيد قد نهل من معين الذاكرة الفرجوية، فإن هذا الاختيار لا يشكل دعوة أصولية تروم الاغتراب في الماضي وتضع الأسوار حديدية والحواجز الفولاذية بيننا وبين ثقافات الآخرين، بل رغبة ملحة في إبداع فضاء قادر على نقش التشارك الإنساني عبر الاعتداد بالحوار الفني والتبادل الثقافي. يقول برشيد: «هذا التأكيد على الهوية، اعتبره البعض انغلاقا أو شعوبية، واعتبره البعض الآخر شوفينية أو قومية ضيقة، مع أن الحقيقة عكس هذا تماما، لأن الهوية إضافة حقيقية، إضافة وجود لا ينفي الوجود؛ بل يؤكده، ويعززه، ويغنيه بالتعدد والتنوع والاختلاف، والاحتفالية بهذا المعنى رصيد في بنك الثقافة الإنسانية». 

ورغم إلحاح المسرحيين العرب على رفض الخشبة الإيطالية، فإنها لم تستطيعوا - عمليا-¬ أن يقدموا عروضهم في الساحات، والأسواق، والشوارع. ولا يتعلق الأمر هنا بإحدى العوائق الأساسية لتبلور ممارسة تجريبية صحيحة ومتطورة. كما لا يتعلق الأمر بمجرد صيحة في واد ونفخة في رماد، ما دامت الآفاق الانتظارية للمتلقين لم تتغير، لأنه إذا كانت العمارة المسرحية تخضع لنظام المسرح الغربي، وهو ما يتعارض مع الفضاء العام الذي يضعه المسرحيون العرب في مخيلته الدرامية، فإن للمسألة أسبابا تتصل بالهاجس السياسي والأمني في الوطن العربي، حيث تغيب الحرية وتتقلص مساحة الانفتاح الديمقراطي. ومن هنا نزوع الأنظمة نحو حصر الفعل المسرحي وخنقه داخل سياج الأفضية المغلقة، إلا إذا كانت العروض المسرحية تتخذ طابعا فلكلوريا، أو فرجة مجانية مترفة، أو بوقا دعائيا للسلطة.

ورغم العائق السياسي الذي يحد من جرأة المسرحيين العرب على تفجير العلبة الايطالية، ومعانقة الأفضية العامة والفسيحة، فإنه بالإمكان معاينة نقل التقاليد الفرجوية التي تستلزم أفضية عامة إلى البناية المسرحية، من وجهة نظر ثقافية أكثر اتساعا وشمولية. ذلك بأن البناية المسرحية بالنسبة للعرب مظهر غربي، لأنها شيدت من قبل الإدارة الاستعمارية، ومن ثم «فالعودة إلى الشكل الدائري داخل البناية المسرحية يتضمن أكثر من اختيار جمالي وشكل فني، إنه أيضا إحدى تمظهرات الهجنة في مسرح ما بعد كولونيالي» . فقد أفضى التعامل مع الفضاء الثقافي المسرحي، بوصفه وافدا غربيا والعودة إلى الشكل الهندسي الدائري (الحلقة)، على أساس التوظيف الحي والمثمر للأشكال الفرجوية، إلى تموضع المسرح العربي بين عالمين: شرق وغرب، وشمال وجنوب.... وهو الفضاء الثالث، أي فضاء التناسج الثقافي بامتياز. 

لقد أقدم المسرحيون العرب على استنطاق التراث الفرجوي الثري الذي يشكل ذاكرة جماعية تلتف حوله كل الذوات، وعملوا في الآن نفسه على نقله إلى البناية الإسمنتية المغلقة بوصفها وافدا غربيا. ومَثـَّلَ هذا النقل مؤشرا دالا على الحوار المثمر، والوصل الفني بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، والثقافة الشعبية والثقافة العالمة. ومن ثم بداية عدم الارتهان إلى فرضيات الغرب الداعمة للثنائيات الموهومة والتقسيمات التراتبية المغلوطة. كما يمكن النظر إلى الوصل بين التقاليد المحلية والتقاليد الغربية، على أنه مقاومة فنية للنموذج المسرحي الغربي وانفلات من منظوره الإقصائي للآخر عبر الجمع بين الوافد والمحلي، قصد تحقيق المشترك الإنساني. ذلك أن مقاومة التمركز الفني الغربي، لا تعني الانطواء والانكفاء على الذات، لأن هذا الخيار معناه أن نعيد إنتاج ذات العلاقة المنتجة للفرقة، بدل التواصل الفني المُنتِج. فأن نقبل «الانقساماتِ العِرقيةَ، والدينيةَ، والسياسيةَ التي فرضتها الامبريالية ذاتُها. وأن نهجر العالمَ التاريخي تعلقاً بماورائياتِ جواهرَ (...) هو أن نهجر العالم التاريخي من أجل تجوهرات تمْلك القوةَ على أن تثير البشرَ بعضَهم ضد بعض» . ولذلك توسل المسرحيون العرب بأساليب فنية عربية وغربية للتعبير عن قضايا الإنسان، وفق رؤية فنية تدرك أبعاد الواقع.

⃰ باحث وناقد مسرحي، المغرب.

المقال نشر بمجلة المسرح التي تصدر عن دائرة الثقافة والإعلام إدارة المسرح الشارقة. عدد: نوفمبر 2013. ونعيد نشره باتفاق مع الكاتب.

- بيتر بروك - تيري إيجلتون - سو إلين كيسين وآخرون، التفسير والتفكيك والإيديولوجيا... تقديم : نهاد صليحة، الهيأة المصرية العربية للكتاب، 2000، ص : 7.
- هومي. ك. بابا، موقع الثقافة، مرجع سابق، ص: 40.
- نفسه، ص : 16.
- نفسه، ص : 49.
- مصطفى رمضاني، غربة التأصيل والحداثة في مسرح الطيب الصديقي، في كتاب جماعي: البحث الأدبي في المغرب : التأصيل والتحديث، جامعة المولى اسماعيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس، 1994، ص: 98.
- عبد الكريم برشيد، يا ليل يا عين، مطبعة فاس، الدار البيضاء، 2006، ص: 13.
- عبد الكريم برشيد، الاحتفالية وهزات العصر، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 2007، ص: 63.
- عبد الكريم برشيد، الاحتفالية مواقف ومواقف مضادة، دار تنمل للطباعة والنشر ط1، مراكش، 1994، ص: 111.
- عبد الكريم برشيد، كتابات على هامش البيانات، مطبعة فضالة، المحمدية، 1999، ص : 104.
- عبد الكريم برشيد، الاحتفالية وهزات العصر، مرجع سابق، ص: 194.
- عبد الكريم برشيد، الاحتفالية وهزات العصر، مرجع سابق، ص: 195.
- ادوارد سعيد، الثقافة والامبريالية، مرجع سابق، ص: 274.
- Khalid Amine “Moroccan Theater: between East and West”, op. cit, p:110.
- إدوارد سعيد، الثقافة والامبريالية، مرجع سابق، ص: 286.

 

 

 

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012