الأحد, 22 حزيران/يونيو 2014 19:14

بؤس المسرح في المغرب

كتبه  العباس جدة

هل يجوز الحديث عن مسرح مغربي متميز؟ والى أي حد يمكن الحديث عن حركة مسرحية نشيطة، متجددة وواعدة؟

الأكيد هو أن المسرح ببلادنا يعيش أزمة ويعاني من بؤس شديد على مستوى الإنتاج والكم وبؤس على مستوى الكيف والإبداع. فلماذا لم يستطع المسرح فرض حضوره على المتلقي وفي الساحة الفنية والثقافية وأن يستقطب عددا لا بأس به من المهتمين والمعجبين؟

يردد المهتمون بالمسرح والممارسون أن السبب الرئسي في تردي النشاط المسرحي، هو اهمال الدولة لهذا القطاع وعدم تشجيع وزارة الثقافة للمسرحيين بخلق فرص للعمل وتشييد مسارح صالحة للعرض ودعم الفرق العاملة بمنح مالية كافية وانشاء معاهد للتكوين الى غير ذلك. لكن الى أي حد يصدق هذا القول؟ وهل يمكن الجزم بأن الدولة هي المسؤولة الوحيدة على اندحار الفعل المسرحي ورداءة الكثير من الإنتاجات المسرحية بما في ذلك الأعمال المدعمة من طرف وزارة الثقافة؟

صحيح أن الدولة بجميع قطاعاتها معنية بالفعل المسرحي ومن المؤكد أن المسرح لا يمكن أن يشهد انطلاقته الحقيقية الا اذا اعتنت به كل الوزارات القريبة أو المسؤولة المباشرة على الفعل الفني والثقافي كوزارة التربية الوطنية ووزارة الشباب والإتصال والثقافة... كل هذا صحيح غير أننا نغالي ، نحن المسرحيون في توجيه اللوم للآخر، اذا لم نتحلى بالشجاعة لممارسة نقد ذاتي من حين لآخر وذلك من أجل تقييم قدراتنا ومؤهلاتنا الفنية ومراجعة أدواتنا واختياراتنا الفنية،غير أننا نصر على تجاهل أهمية الأمر، وكل واحد منا يتوهم نفسه المسرحي أو الكاتب أو المخرج أو الممثل الأول و الوحيد في هذه البلاد.

إن الفراغ المهول والبؤس الفني والضحالة الفكرية وعدم القدرة على الإبداع وخلق أشكال فنية جديدة ومتطورة، كل هذه العيوب لا تتحملها الدولة لوحدها، وانما الفنان المسرحي هو المسؤول الأول على محنته ورداءة انتاجه وفقره الفني والفكري. كيف تتجلى اذن هذه العوامل الذاتية التي تعوق سيرورة وتطور المسرح؟

إن الممثلين يشتغلون والمخرجين يشتغلون في غياب المؤلف وفي غياب النص المسرحي الحقيقي. والواقع أننا لا نتوفر على مؤلفين مسرحيين. لا وجود لكتاب مسرحيين ببلادنا. ومهما جادل الممثل أو المخرج أو الناقد في مدى أهمية النص المكتوب أو عدم أهميته في بناء العرض المسرحي، فان المسرح لا يكون بدون نص أدبي مكتوب ونحن نفتقد تقنية الكتابة الدرامية. والنصوص المعتمدة في العروض، هي كل شيء الا مسرحية، لأنها بعيدة عن الصياغة الفنية وعن الكتابة المسرحية الدرامية بما تستوجبه من حوارات ذكية وحبكة فنية متينة وشخصيات مرسومة بدقة وعمق انساني وصراع درامي مشوق، الى غير ذلك من العناصر والمقومات التي تضمن المتعة الفنية والفرجة النصية أولا، قبل الفرجة الركحية.

علاوة على غياب النص المسرحي، يمكن التأكيد أيضا على غياب مخرجين حقييقين يملكون مشروعا فنيا ويؤمنون برؤية فنية جديدة وأصيلة للإنتاج المسرحي والفعل الدرامي، ولهم القدرة والكفاءة على تجسيد هذه الرؤية وابرازها بأبسط الوسائل وبأقل الإمكانيات واعتمادا فقط على حضور الممثل وحسن ادارته. فالمخرج المبدع ليس هوالذي يشترط وسائل وتقنيات معقدة من اضاءة وملابس وديكور وموسيقى وانما هو الذي يجيد ادارة الممثلين، وقبل ذلك اختيار النص المسرحي الجيد والعمل على ترجمة دلالاته وابراز معانيه بلغة فنية جميلة تقوم على الإيحاء والرمز والتلميح وليس على الإبهار والخطاب المباشر.

الحديث عن المخرج يستدرجنا بالضرورة الى القول عن الممثل بوصفه الدعامة الأولى والأخيرة لكل عرض مسرحي ناجح. ان الممثل هو خالق الفرجة ومبدع العرض بامتياز. الا أن التشخيص هو فن ومهنة ويتعين على كل ممثل موهوب أن يكون مدركا لضوابطه ومتمرسا على تقنياته. التشخيص موهبة أولا وتقنية ثانيا، او مهنة يمتلكها الممثل بالمراس العنيد على خشبة المسرح وأمام الجمهور. وليس كل من وقف على الركح وتلفظ بعبارة أو عبارتين يعتبر ممثلا. ويمكنني أن أجزم بأن أغلب ممثلينا لا يجيدون فن الإلقاء ولا يحسنون نطق الكلمات ولا يسعفهم جسدهم على الحركة ولا يتمرنون بمافيه الكفاية على أدوارهم، بل ان الغالبية منهم لا تدرك معنى لفظ "تشخيص"، فيعتقدون بأن الإكثار من الصراخ والحركة والإيماءات والتركيز على بعض العبارات الساقطة والمبتذلة هي التي ستكسبهم ود الجمهور ورضاه.

أخيرا، ان الممارسة المسرحية تفترض أدبيات وأخلاقيات، يتعين على كل فنان حقيقي أن يتحلى بها والحرص على العمل بها، وعلى رأس هذه المسلكيات الفنية الإحساس بالمسؤولية والجدية في العمل والحس الجماعي والإلتزام بالفعل المسرحي الذي هو بالأساس عمل جماعي. والواقع أن غياب هذه الأدبيات هو بالذات ما ينخر الذات المسرحية ببلادنا. فلا مسرح بدون أخلاق وبدون الخضوع لعمل الجماعة وبدون احترام الآخر. فما يطبع العلاقة بين المسرحيين المغاربة هو التجاهل والنفي والإقصاء وبالتالي تتضخم أناة الفنان فيسقط في العجرفة وتكبله خيوط الغرور القاتل ويمسي ضحية النرجيسة الضيقة.

ناقد مسرحي، المغرب.

 

 

 

 

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012