الخميس, 31 تموز/يوليو 2014 11:46

تهافت النقاد

كتبه  العباس جدة

كثر دكاترة المسرح والنقاد المسرحيون، وتناسلت المقالات النقدية والبحوث الجامعية، وازداد بشكل ملفت للنظر عدد الطلبة والأساتذة اللذين ينجزون دراسات حول أبي الفنون والمسرح المغربي والعربي، وكثرت المحاضرات والندوات والخطابات من طرف أكادميين ودكاترة مختصين. لكن على مستوى الركح لا يحصل أي شيء يمنح لنا الثقة في مستقبل واعد للمسرح المغربي والعربي.

فهل هؤلاء النقاد المسرحيون يسهمون بالفعل في إنعاش الحركة المسرحية؟ هل يقومون بدورهم المتمثل في التحليل والنقد والوصف والتقويم ونشر ثقافة فنية جمالية والتأريخ العلمي للفعل المسرحي العربي؟ هل النقاد يمارسون النقد المسرحي؟ لا أعتقد ذلك. لأن هؤلاء النقاد غير مؤهلين لممارسة النقد المسرحي الحقيقي؟ لماذا ؟ لأنهم يفتقرون للحس النقدي المسرحي وتعوزهم الثقافة الفنية الجمالية.

قد يكونون أساتذة جامعيين في اللغة العربية أو الأدب العربي لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نطلق عليهم صفة النقاد المسرحيين لأنهم قد يتحدثون بإسهاب عن تاريخ المسرح ويتكلمون ببلاغتهم المعهودة عن التجارب المسرحية العالمية ولكنهم يفتقرون لثقافة مسرحية؛ فهم يجهلون نظريا تقنيات الخشبة ولا فكرة لهم عن مفهوم الكتابة المسرحية الرصينة ولايفقهون شيئا (نظريا) في فن الإخراج ولا يميزون بين التشخيص الصحيح والأداء الخاطئ الى غير ذلك من الأفعال المسرحية. لماذا؟ لأنهم لم يتعودوا على مشاهدة العروض المسرحية ولا يقرؤون النصوص المسرحية العالمية ولا فكرة لهم عن شروط وطبيعة الممارسة المسرحية، بل لا يتمثلون وظيفة المسرح الجمالية. لهذا تجد هؤلاء الدكاترة النقاد يركزون على مضمون العرض وعلى الخطاب الفكري والإيديولوجي ويكثرون من الخطابات النظرية والأكاديمية ويهملون ماهو جوهري في المسرح ألا وهو البعد الفني والجمالي. يغضون الطرف عن جهل، عن تقنيات الخشبة وعن الألوان والأشكال وعن أداء الممثلين وعن رؤية المخرج الفنية بل ويتجاهلون جمالية النص المسرحي وشكله الفني ولا يشغلهم سوى مضمونه.

والأسوء في الأمر هو عندما يتجاهل الناقد الدكتور النص المسرحي أو العرض المسرحي ويسهب في الحديث عن المقاييس النقدية العالمية أو الإطناب في الكلام عن تجربة مسرحية أعجبته أو اقتطاع فقرات طويلة من بحثه الأكاديمي وارغام الحضور على الإنصات لبلاغته اللغوية والمعرفية. والدليل القاطع على أن هؤلاء النقاد مجرد أدعياء هو عندما يتجرؤون على كتابة نصوص مسرحية. إنها المهزلة.

قد تكون نصوصا روائية أو قصصية أو أي شيء آخر لكن لا تتوفر فيها بأي حال من الأحوال مواصفات النص المسرحي أبدا.  ويمكنني أن أجزم بأن النقد المسرحي في المغرب وفي العالم العربي منذ بداية السبعينات (والأسماء الناشطة في هذا المجال معروفة، بل تحولت في نظر النقاد الطلبة سواء جيل الثمانينات أو التسعينات والى يومنا هذا- تحولت هذه الأسماء في نظر هؤلاء إلى أيقونات مقدسة) قد أساء للمسرح بل أعاق ويعوق تطوره من حيث أنه يفرض وصاية على المسرحيين ويسجن الممارسة المسرحية في قوالب جاهزة. فالمفروض أن تكون هناك علاقة تفاعل وتواصل بين الناقد والمسرحي على أساس أن يحتفظ كل واحد منهما باستقلاليته وحريته، غير أننا في البلاد العربية لا زلنا نشتغل بعقلية الغلبة والقوة، والغلبة هنا تتمثل في السلطة المعرفية والرمزية التي يمتلكها الدكاترة. فتتجلى بسرعة تبعية الفنان المسرحي السريالية للناقد الدكتور أو للدكتور الناقد الذي تعوزه أصلا الثقافة الفنية الجمالية ويفتقر للحس الفني العميق. فتتحول العلاقة بين المسرحي والناقد إلى علاقة محاباة وزبونية وتبعية، وبهذا ينحصر المسرح ويبخس النقد.

ولن أتردد في توجيه بعض النصح إلى الدكاترة النقاد بعدم الغلو في قراءة التجارب المسرحية الغربية والغوص في النظريات النقدية المجردة والجاهزة والإقبال على مشاهدة أكبر عدد ممكن من العروض المسرحية وبقراءة النصوص المسرحية العالمية ومعاينة الممارسة المسرحية الوطنية والإلمام بتاريخ الفنون والتحلي بالروح الأخلاقية من نزاهة وتسامح وتقدير لمجهود المسرحي.... لأن ما يؤسف له أكثر هو بالإضافة إلى نقص ملحوظ في التكوين والثقافة الفنية المسرحية هناك غياب شبه تام لأخلاقيات النقد الفني وعلى رأسها النزاهة والإحساس بالمسؤولية. فالناقد الدكتور تجده يضخم وينفخ في إنتاج صاحبه المؤلف أو المخرج أو الممثل ويتجاهل انتاجات غير الأصدقاء والمقربين. وهنا يتجلى العبث الفني والبؤس الثقافي في أجلى صوره.

كاتب وناقد مسرحي، المغرب.

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012