.

الجمعة, 16 كانون2/يناير 2015 17:51

تركيا نموذج نهضة

كتبه  هشام أعناجي *

هو السؤال نفسه يصحبنا في كل تحركاتنا اليومية وتأملاتنا للواقع المرير لهذه الأمة، هو سؤال القديم الجديد: لماذا تقدم الآخر وتأخر المسلمون؟

نعيد نطرحه هذه المرة من زاوية تركيا لسبب بسيط يتعلق بالعمق العثماني المشترك بين تركيا وبلاد المسلمين، الذي يمكننا من استكشاف المنطلقات الأساسية لبداية نهوض تركيا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، من خلال هذا المشترك الحضاري نتساءل: كيف استطاعت تركيا أن تنتقل من ضيق الاستبدادي "الأتاتوركي"1 إلى سعة الحرية والديمقراطية؟ وأي نموذج تنموي قاد بلاد الأناضول إلى التقدم وإلى استعادة الريادة بين دول الأمة الإسلامية؟

بعد 400 سنة من السيطرة العثمانية على العالم العربي، أعقبتها 100 سنة، تقريبا، من الابتعاد عنه، تبنت من خلالها تركيا، بقيادة "كمال أتاتورك"، إيديولوجية ترى في "الإسلام" عبئا ودينا مغلقا غير قادر على مواكبة المسار التاريخي للتطور البشري، وترى في الشعوب العربية شعوبا جاهلة وجامدة، هذا المسار الدي دشنه "أتاتورك" منذ سنة 1924 م بعد فشل وانهيار "آل العثمانيين"، حينها أعلنت تركيا عبر المبادئ الستة للثورة "الكمالية" 2 إنهاء نظام الخلافة وتبني نظام جمهوري ووطنية متجسدة، إضافة إلى علمانية الدولة، ومبادئ عامة أخرى لا تتناقض مع ما كان حينها في قوانين الدولة العثمانية. لكن بعد هذه الثورة التي أسست للعلمنة بدل العثمنة ظهر صراع حقيقي بين الدولة (النظام) وبين المجتمع والعلماء الذين تضايقوا كثيرا من تهميش دور الدين في الحياة العامة، ومن أبرز تمثلات هذا الصراع، عدم السماح بإنشاء أحزاب سياسية ذات توجه ديني، كما لم يُسمَح لأحزاب أخرى، تختلف مع كمال اتاتورك، المشاركة في الحكم، إذ القطيعة التاريخية، التي أسس لها علمانيو تركيا بقيادة أتاتورك، دامت 15 سنة، أقحمت البلاد في صراعات هامشية وانقلابات عسكرية وتأخر النهوض التركي، وأيقظت المجتمع التركي من السبات والجمود الذي أصابهم في تلك السنوات من العلمنة، حيث كانت البداية سياسية، وذلك بتأسيس أحزاب من "حماية السلام" إلى حزب "الأمة''، لكن لم تدم مدتها بسبب التضييق وتدخل العسكر في شؤونها الداخلية، وتزامن الوضع مع قيام الحرب العالمية الثانية. بعدها اتجهت السياسة التركية إلى توطيد حكم البرلمان، وذلك بإرساء قيم الليبرالية، حينها فُتحت الأبواب في جل الأحزاب المعارضة، فنال الحزب الديمقراطي بقيادة "عدنان مندريس" سنة 1905 المرتبة الأولى، فاكتسح البرلمان وهو الذي أعلن عن أهمية الدين ودوره في قيادة البلد إلى النعيم، هذا الأمر يدل قطعا عن جذور وعمق التدين لدى المجتمع التركي. وأعاد التوازن بين الدولة والدين، أصلح بين العلماء والقضاء، لكن خوف العسكر من عودة الدين إلى بساط السياسة أجبر المؤسسة العسكرية على اغتيال الزعيم الاصلاحي عدنان منذريس والانقلاب على شرعيته. الأمر نفسه وقع مع مجموعة من الإصلاحيين، وفي الآن ذاته تتم محاصرة حركة النورسيين3. إذن الصراع كان ضدا على هوية هذا الشعب، الذي أفرز في الأخير توافقا اضطراريا أرغم العسكر على قبول الحركة الإسلامية المعتدلة في الخطاب، التي تتبنى علمانية الدولة بقيادة أردوغان.

بعد هذا السياق التاريخي الذي ذكرته ومن خلال كتاب "التجربة النهضوية التركية: كيف قاد حزب العدالة والتنمية تركيا إلى التقدم؟" الذي ألفه الكاتب التركي "محمد زاهد غول"، يتبين مرة أخرى وكما عمد المفكر الجزائري مالك بن بني إلى تسميته بالمركب الحضاري أي "الفكرة الدينية أو الشعور الديني'' له دور كبير في نمو وتطور أي شعب كيفما كان نوعه، إذن تركيا استفاقت من التاريخ وعبرت جسره بأقل الخسائر لأنها ببساطة اعتمدت على سنن التغيير واكتشفت ذاتها من ذاتها، وذلك بالاعتماد أساسا على التعددية الاقتصادية وبجعل الموطن التركي هو الأصل في بناء الاقتصاد، فكانت النتيجة تربع البلد ضمن الاقتصاديات الكبرى، ومن الناحية التعليمية التربوية أعطى أردوغان للعلمانية مرادفات كالحرية والسلام الاجتماعي، لتؤسس لتعليم ديمقراطي ومبدع، كما دعم البحث الجامعي بجعل الجامعات التركية قطبا دوليا، إضافة الى نهضة دستورية عمقت خيار الديمقراطية والحرية وقلصت من دور العسكر في الحكم، وذلك في استفتاء شعبي صوتت فيه الأغلبية لصالح الدستور.

* طالب بكلية العلوم أكدال، الرباط، المغرب.

تعمدت عدم ذكر انجازات تركيا في السنين الأخيرة، لكي لا ننبهر بها كما انبهرنا بأروبا واليابان، لأن الأمر الذي يهمنا هو معرفة سر هذا التحول الكبير الذي قاد تركيا من غياهب الظلم والاستبداد إلى نور العدالة والحرية، فالسر في الانطلاق من الذات والتعايش مع الحاضر والعمل بالسنن الكونية والإلهية في نشوء الحضارات وموتها، تلك هي تركيا، حيث الإنسان قرر العودة للدين وللتاريخ، فاكتشف مصلحته ولم يتراجع رغم الآلام والتضحيات.

تركيا نموذج ضمن نماذج أخرى قررت الإيمان بالذات والأخذ بمعطيات واقعها دون الرجوع إلى الخلف أو الاستكانة وراء الخطابات التعجيزية والتكفيرية ... تركيا في جملة معبرة:
إنسان + وقت + تراب ------ الدين حافز< ------- حضارة.

الهوامش:

1- الاستبداد "الأتاتوركي" نسبة إلى طغيان "كمال أتاتورك" إبان حكمه.

2- سميت بذلك بعدما قاد "كمال أتاتورك" الثورة ضد الحكم العثماني.

3- حركة النورسيين كان لها أثر كبير في نشر قيم التدين بالمجتمع التركي، ولذلك تمت محاصرتها وتعذيب أفرادها بقوة. ومحمد زاغل غول لم يشير في كتابه إلى دورها العميق في نمو تركيا، ربما بسبب الخلافات التي ظهرت مؤخرا بين جماعة النور التي تحمل فكر النورسسين وبين الحزب الحاكم ، وهذا الأمر أعتبره تحيزا غير موضوعي تجاه أكبر حركة صوفية نشرت قيم الوفاء والإسلام في تركيا.

 

 

رأيك في الموضوع

على صواب

  • لا تسبوا الفايسبوك
    أصبح من قبيل التبرم والتعبير عن "الاستقلال" الذاتي عن إمبراطورية الهوس بشبكات…

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012