الأربعاء, 02 كانون2/يناير 2013 18:57

التراث والهوية لدى المسرحيين المغاربة

كتبه

هشام حكام•
تميز الخطاب المسرحي المغربي بتعدد فرجاته الشعبية المتجسدة في المخزون التراثي، والتي شكلت رافدا أساسيا لمبدعين مسرحيين مغاربة وجدوا ضالتهم فيها، وتنفسوا الصعداء من خلالها، ليتخلصوا من وطأة الاقتباس والتقليد للمسرح الغربي، ولعل خير مثال على ذلك الفنان المبدع الكبير الطيب الصديقي الذي قال: "بعد أن فهمت أن المسرح في صيغه المتطورة كانت من الغرب، لكن عندما بدأت أقارن بين ما لدينا، وما عند هذا الغرب، أيقنت أنه لا يمكن إنجاز مسرح مغربي وعربي بالتقليد، أو البقاء تحت رحمة المعرفة المسرحية الغربية بشكل مطلق". (جريدة المستقبل).
هذا التوجه في البحث عن صيغة مسرحية مغربية مخالفة عن صيغة المسرح الغربي بكل أساليبه الفنية، هو الذي سيقود إلى البحث عن أصول درامية في الثقافة المغربية تكتنفها وتحتضنها ذاكرة التراث المغربي، لأن المسرحيين المغاربة لم يعودوا قادرين على متابعة المسرح الغربي وانبهارهم بفرجاته الجمالية، فلا بد من تميز الذات الإبداعية وإثبات كينونتها بدل التقليد والاقتباس اللذان لن يفلحا المسرحيين المغاربة في استنساخ تجارب الغرب يقول الصديقي: "إننا بالتقليد لا يمكن أن نقدم موليير مثلا أحسن وأجود من الفرنسيين، أو نقدم روائع وليم شكسبير أبلغ من الإنجليز، المطلوب هو البحث عن صيغة مسرحية عربية لفرجة تناسب الذوق العربي، وتتلاءم والخصوصيات المحلية ذات الدلالة الإنسانية" (جريدة المستقبل).
ولعل التأمل في كلام الطيب الصديقي سيحيلنا مباشرة على التعبير عن الهوية، فكيف يمكن أن نعبر عن خصوصية ثقافتنا المغربية بفرجة لا تشبهنا في سلوكياتنا ومعاملاتنا لا سيما وإن استنسخناها عن الغرب، فنحن هنا لا ننفي طابع التواصل مع الغرب في تقديم فرجاته، وإلا سنكون في هذه الحالة عدميين منغلقين على ذواتنا، وإنما نسعى إلى إبراز تداعيات العودة إلى التراث من أجل تحقيق الهوية وإبراز فرجاتها التي تتناسب مع الخصوصيات المحلية للثقافة المغربية.
إن الذوبان في التراث وإحياء أصالته يمنحه الحركية والاستمرار، ليتواصل مع عقلية الحاضر التي تبث فيه الروح وتكسيه غطاء جديدا في بيئة تتنفس هواه وتحن إلى ذاكرته، وبالتالي تحدث جدلية التأثر والتأثير يقول مصطفى رمضاني: "فالأصالة هي الرؤية المعاصرة للتراث، لأننا حين نتعامل مع التراث، لا نتعامل معه كمادة خام تنتمي إلى الماضي الذي انتهت وظيفته، وإنما نتعامل معه كمواقف وكحركة مستمرة، تساهم في تطوير التاريخ وتغييره. فالفكر الإنساني خليط من البنيات التراثية التي فرضت وجودها انطلاقا من جدلية التأثر والتأثير. وكل تراث لا يؤكد استمراريته في حركة التاريخ لا يعتبر أصيلا." ( ).
لذلك فلا غضاضة إن وجدنا الرواد الأوائل للمسرح العربي "مارون النقاش"(مسرحية: أبو الحسن المغفل) ( ) أو"أبو الخليل القباني" (مسرحية: هارون الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب وقوت القلوب) ( ) قد استلهموا في نصوصهم المسرحية حكايات من التراث العربي من ألف ليلة وليلة، وقد كانت الغاية من ذلك في اعتقادنا هو التعريف بجمالية التراث العربي أمام المستعمر الأجنبي الذي كان يحاول طمس معالم جذور الثقافة العربية، وفي هذا السياق يقول مصطفى رمضاني: "لقد فطن رواد المسرح العربي منذ البداية إلى غربة الشكل المسرحي الغربي، كما فطنوا إلى أن المستعمر كان يسعى إلى فرض ثقافته لطمس كل ثقافة وطنية، لذلك لجأوا إلى البحث عن هويتهم وتميزهم، فكان التراث هو المصدر الشامل الذي وجدوا فيه ضالتهم، لأنه يمثل مقومات الأمة واستمرارية تميزها." ( ).
إذن، فالغاية من العودة إلى التراث كانت تتجسد في مواجهة الطابع الإمبريالي الذي يحاول طمس كل ماله علاقة بالماضي، ومحو الذاكرة من الإطلاع عليه، وحصر الذات المغربية في التقليد والاقتباس عن الغرب، ولعل هذا ما دفع برواد المسرح العربي خاصة مارون النقاش أن يلتجئ "إلى مصادر تراثية شعبية تاريخية يمثل نوعا من التحدي للمسرح الغربي بصيغته الأرسطية، لأن هذا النوع من المسرح ما هو إلا وجه من أوجه المستعمر المختلفة، كما أن الالتجاء إلى التاريخ لاستيحاء بطولاته وأمجاده يعكس نوعا من المواجهة الضمنية، ذلك أن المبدع المسرحي كان يلجأ إلى إحياء هذه الأمجاد والبطولات لاستنهاض الهمم وبث الحماسة، خصوصا وأن المستعمر كان يفرض رقابة مشددة على الفكر. لذلك كان اللجوء إلى التراث واجهة نضالية"( ).
أمام هذا المعطى حول إبراز الذات المبدعة، وتحدي الغرب فنيا وجماليا على حساب التراث ينبغي أن نشير هنا وإنصافا للتاريخ أن الغرب –رغم طابعه الامبريالي في نهب ثروات البلدان العربية- بتطوره المادي والسياسي والاقتصادي والفني، قد كان السبب المباشر في خلخلة الذات العربية، والكشف عن سباتها وتخلفها، فهو الذي أدخل معالم الحضارة إلى التربة العربية خاصة مع حملة نابليون بونابرت على مصر وإنشاء المصانع والمعاهد العلمية وتشييد المركبات الثقافية ومن بينها البنيات المسرحية. ومن هنا يتضح لنا أن هذا الفن المسرحي المستحدث حديثا في ثقافتنا العربية/المغربية، يبدو في اعتقادنا أن المسرحيين العرب حاولوا أن يستدركوا ما غاب عن ثقافتهم الفنية في المجال المسرحي وأن يجدوا لهم بديلا له، أو إرهاصات له في الماضي ربما قد تعيد لهم الأمل في التغني بالذات وإثبات كينونتها في المجال الفني حاضرا ومستقبلا يقول المفكر المغربي عبد الله العروي: "إن العرب يحلمون دائما باستدراك ما ضاع منهم، ومجال الاستدراك هو الفن، الأدب بخاصة، أكثر مما هو الفكر المجرد. على هذا الأساس قبلت أو رفضت دائما الإنجازات الفنية، قبلت إن هي جسدت المستقبل المرتسم في أوهامنا ورفضت إذا لم تستطع أن تتسامى عن الحاضر البئيس." ( ).
إذن، هل نقبل بالمسرح في قالبه الغربي، وإحداث القطيعة مع التراث ؟ أم نرفض القالب الغربي باعتباره واجهة من واجهات الاستعمار والاكتفاء بالعودة إلى الماضي والنبش في ذاكرته عسى أن يمن علينا بشيء اسمه المسرح مارسه أسلافنا منذ القدم. وهكذا إن كان الحال يتطلب العودة إلى الأصول والكشف عن ممارسة مسرحية مارسها العرب قديما وتحيينها من جديد من أجل إعادة الاعتبار للذات العربية/المغربية جراء اصطدامهم بالفن المسرحي الوافد عليهم من الغرب عن طريق الاستعمار أو عبر الرحلات واكتشافه هناك في الديار الغربية كما فعل مارون النقاش في سفرياته التجارية إلى أروبا ومشاهدته للعروض المسرحية، فهل يكتسي هذا التراث الفني المتجسد في تلك الأشكال الفرجوية من "حلقة" و"بساط"، و"اعبيدات الرما"،... طابعا فنيا ، ولماذا هذه العودة بالذات إلى الماضي؟ ألا يكفي أن نعترف بأن المسرح فن دخيل على الثقافة المغربية؟ أم أن المسألة كانت تتعلق بالهوية من أجل إثبات ممارسة مسرحية أصيلة في الثقافة المغربية ؟
وفي هذا السياق وجدنا المفكر المغربي عبد الله العروي يطرح سؤلا عميقا ومحرجا في الآن نفسه يقول: "لماذا هذا التعلق بالفلكلور والعمل على إعطائه قيمة فوق ما يستحق ؟ "( ). أمام تساؤل العروي هل يمكن أن نجازف وأن نعترف بكل جرأة أن مسألة العودة إلى الأصول وتحيينها كفيلة بتعويض عدم معرفتنا بالمسرح ؟ لا سيما وإن أشرنا سابقا أن المسرح فن مستحدث في تربتنا المغربية. وهو ما "يجعلنا نفهم أنه لا يمكن التعبير عن منظور جديد باستعمال شكل فني عثيق"( ).
لكن، على الرغم من ذلك فإن دعوة العودة إلى الأصول واكتشاف فرجات شعبية في ماضي الثقافة المغربية لم يكن الهدف في اعتقادنا هو التعبير عن الهوية وحدها فقط من خلال التراث ومواجهة الغرب الذي فرض فنه على ثقافتنا فحسب، بل كانت تلك العودة هي الكشف عن جمالية فنية تتواصل مع الحاضر وتتطور في المستقبل، ولعل هذا ما دفع بالرمضاني إلى القول بأن "اللجوء إلى التراث كان يحقق بعدا جماليا خاصا، ذلك أن توظيف شخوص أو أحداث التراث كفيل بتحقيق جمالية خاصة في الإبداع المسرحي، لأن هذا التوظيف أداة تحقق نوعا من التواصل الفني الذي يتجاوز الطرح المباشر للقضايا. وبالطبع فإن المبدع المسرحي كان يدرك أن مهمته لا تكمن في إيصال المعارف فقط، بل تكمن أيضا في تحقيق نوع من التأثير والجمالية. لذلك كان يبتعد عن تناول تلك القضايا تناولا مباشرا، فالتجأ إلى الرمز والأسطورة والأحداث التاريخية وغيرها من الوسائل التي تحقق هذه الجمالية "( ).
إذا كان التراث هو شيء من الماضي قد خلده لنا أسلافنا وأجدادنا، وصار جزء لا يتجزأ من ذاكرتنا ووعينا الجماعي، فهو ليس مادة تابثة في أعماق التاريخ نلجأ إليه متى نحب ونريد، بل يجب الاستفادة منه وتطويره وجعله مادة حية تتنفس الحياة عبر استثماره وتطويره، وبالتالي فهذا يعني " أن المبدع المسرحي الذي يعي دور التراث وعيا نقديا، هو الذي يفجر ما في هذا التراث من دلالات إيحائية، ويكشف ما فيه من طاقات متفجرة قادرة على التجدد والاستمرار. ولهذا –فلما كان التراث دائب الحضور في وجدان الإنسان، لأنه جزء من ذاكرته- فإن الفنان المسرحي يستغل هذه العلاقة لمخاطبة المتلقي عبر قنوات يدركها هو الآخر بكل عفوية، لأنها أيضا جزء من ذاكرته، ويسعى في ذلك استرفاد عناصر تراثية عبر دراسة مكونات المتلقي المعاصر حتى تتسع هذه العناصر لاستيعاب رؤيته المعاصرة بكل ما فيها من تعقيد وتكثيف لتصل إلى هذا المتلقي بحرارتها وأصالتها" ( ).
باحث في المسرح•

الهوامش:
­ مصطفى رمضاني، توظيف التراث وإشكالية التأصيل في المسرح العربي، مجلة عالم الفكر، المجلد السابع عشر، العدد الرابع، 1987، ص:79.
­أنظر كتاب المسرحية في الأدب العربي الحديث للدكتور محمد يوسف نجم ص: 367.
­أنظر نفس الكتاب للدكتور يوسف نجم ص: 371.
­ مصطفى رمضاني، توظيف التراث وإشكالية التأصيل في المسرح العربي، ، مرجع سابق ص: 80.
­ نفسه، ص: 80.
­ عبد الله العروي، الإيديولوجية العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 1999، ص: 213.
­ نفسه، ص: 213.
­ نفسه، ص: 214.
­ مصطفى رمضاني، توظيف التراث وإشكالية التأصيل في المسرح العربي، مرجع سابق: 85.
­ نفسه، ص: 88

على صواب

 

البحث في الموقع

حوار

تابعنا على ..

  • Facebook: Dramamedia.net
  • Twitter: DramamediaNet
  • YouTube: dramamedia2012